بقلم/ محمد مصلح الحمودي
ذكّروني ، وأعيدوا تشكيل ذاكرتي في هذا اليوم —الثاني والعشرين من مايو— عن ارتباط هذا الرجل في الصورة ، علي عبدالله صالح والذي يُعتبر الأب الروحي للوحدة اليمنية ، بأحداثٍ جسامٍ وقعت قبل ستة وثلاثين عامًا؛ يوم أن سُكبت الجغرافيا في محبرة التاريخ، لتدوين فصلٍ جديد من فصول الهوية الممتدة عبر غابر الأزمان.

​إن الذكرى جزءٌ أصيل من التشكيلة النفسية للإنسان؛ فـ«لولا الذكرى ما تعلّمنا، ولا تهذّبنا، ولا انتقلنا من طورٍ إلى آخر». تخيّلوا لو أن الآلام تُمحى والتجارب تُطمس! لكان من الجنون أن نتعرّض يوميًا لنفس الألم، ونختبر التجربة ذاتها مرارًا وتكرارًا.
تخيّلوا لو أنني مددتُ يدي لوعاءٍ معدنيٍّ يقذف باللهب فلسعني واحترقت، ثم تألمتُ بشدة وتقرّحت يدي وتضررت، وبعدما تعافت طُمست ذكراها وانمحى ما حدث من وعاء الألم؛ لمددتُ يدي مرةً أخرى إلى وعاءٍ ساخنٍ آخر، ولخضتُ تجربة الاحتراق مُجددًا!

​ولكن، لأن الله أرحمُ بنا من أنفسنا، وأعلمُ بقدرات احتمالنا منّا، جعل من الذاكرة حارسًا يقظًا. فكل الذي سيحدث حينها أنني سألتفتُ لكفّي، فأبصرُ ندبة الحرق القديم، وأتذكرُ الحكاية وكم تألمتُ في ذلك اليوم، ثم أسحبُ يدي ممتنعًا عن تكرار إيذائها من جديد.

لذا فإن الماضي في ذاكرتنا ينقذنا من براءتنا الساذجة في الحاضر، ومن اندفاعنا وعفويتنا في المستقبل؛ نعم، خُلقنا من طين... ولكن تصقلنا الذكريات.
​ومن وحي هذه الندوب وتلك الأمجاد، يقف التاريخ شاهدًا على أن وحدة الشعوب ليست مجرد حبرٍ على ورق المعاهدات، ولا هي عاطفة عابرة تذروها الرياح؛ بل هي صيرورة تاريخية تخضع لنواميس الصعود والهبوط.
​وسواءٌ بقيت الوحدة اليمنية في إطارها السياسي والظاهري، أم عصفت بها رياح التحولات وانتهت بشكلها المعاصر، فإنها قد حُفرت في وعي الزمن كأثرٍ أبديٍّ لا يُمحى.

​إن الـ22 من مايو لم يكن مجرد حدثٍ عابر، بل كان تجسيدًا لأشواقٍ ضاربة في عمق التاريخ العروبي واليمني، واختبارًا قاسيًا لجسدٍ واحد تتقاسمه الجغرافيا وتتقاذفه السياسة. وإذا كانت الدول تُبنى وتهتز، والأنظمة تقوى وتشيخ، فإن الذاكرة الجمعية للشعوب تبقى هي المخزن الحقيقي للدروس.

​إن بقاء الوحدة هو انتصارٌ لفكرة اللقاء، وإن تفتتها —إن حدث— ليس إلا ندبةً إضافية في جسد الهوية، تُعلم الأجيال القادمة كيف صيغت الأحلام، وأين تعثرت الخطى. وفي كلتا الحالتين، يظل الرجل الذي قاد هذا التحول رمزًا لحقبةٍ عانقت فيها السماءُ طموحَ التراب، وتظل الذكرى هي البوصلة الأبدية التي تخبرنا: أن الشعوب قد تمرض، وقد تتشظى، لكن جينات الوحدة الكامنة في وجدانها تظل حية، تنتظر لحظة التاريخ المناسبة لتعاود التشكل من جديد."

من صفحة الكاتب بالفيسبوك

حول الموقع

سام برس