سام برس
غربة العمر وناموس الزمن ..
مقدمة
يَسعد قسم الأدب والفكر اليوم بأن يفتح نوافذه على إشراقة وجدانية سامقة، يمتزج فيها جلال الحكمة بوقار الفلسفة الإنسانية، عبر قصيدة تفيض بالعمق والتدبر تجسد "ناموس الزمن" ورحلة العمر. يصيغها لنا بقلم سيّال وفكر راجح وعاطفة صادقة، الأديب والقاضي المفضال الدكتور حسن حسين الرصابي، ليأخذنا في ترحال شعري نلمس فيه لوعة الغربة الروحية أمام تتابع السنين، وعظمة اللجوء إلى زهد النفس كحصن أخير، مختتماً بوحه العطر بفيوضات الصلاة على الحبيب المصطفى وعترته الأطهار. نترككم مع هذه الدرّة الإيمانية التي تخاطب العقل والوجدان.
غُرْبَةُ العُمْرِ وَنَامُوسُ الزَّمَن
*شعر القاضي د. حسن حسين الرصابي*
بِاسْمِ المَلِيكِ إِلَهِ الكَوْنِ نَبْتَدِئُ ... مَنْ لَيْسَ يَبْقَى سِوَاهُ الحَاكِمُ القَدِرُ
مَا غُرْبَةُ العُمْرِ شَكْوَى مِنْ تَقَلُّبِهِ ... بَلْ حِكْمَةُ النَّفْسِ جَلَّى سِرَّهَا العُمُرُ
يَظُنُّ فِي أَوَّلِ التَّرْحَالِ ذُو صِغَرٍ ... أَنَّ الدِّيَارَ وَأَهْلَ الحَيِّ مَا عَبَرُوا
حَتَّى تَمُرَّ سِنُونُ العُمْرِ فِي مَهَلٍ ... وَيَسْتَفِيقَ عَلَى ضَفٍّ بِهِ عِبَرُ
ضَفٍّ رَحَلْنَ العَوَالِي عَنْ مَعَالِمِهِ ... وَمَنْ بَقُوا بَعْدَ أَهْلِ الحَيِّ قَدْ غَبَرُوا
هُنَاكَ تَبْدَأُ غُرْبَاتُ الحَيَاةِ إِذَا ... أَحَسَّ أَنَّ لَيَالِي المَرْءِ تَعْتَكِرُ
مَجَالِسُ الحَيِّ قَدْ غَابَتْ بَلَاغَتُهَا ... وَالمَلْمَحُ العَذْبُ وَالإِيقَاعُ يَنْكَسِرُ
وَلَيْسَ ظُلْمَاً مِنَ الدُّنْيَا وَقَسْوَةَ مَنْ ... بَادُوا، وَلَكِنَّ هَذَا الكَوْنَ يَبْتَدِرُ
كُلٌّ يُؤَدِّي الرِّسَالَاتِ الَّتِي كُتِبَتْ ... ثُمَّ يَتَنَحَّى لِكَيْ يَسْتَقْبِلَ الأَثَرُ
قَدْ كَانَ فِي زَمَنِ العُلْيَا هُوَ العَمَدَا ... تَبْنِي البُيُوتُ عَلَى تَدْبِيرِهِ السِّيَرُ
ثُمَّ السِّنُونَ أَتَتْ تَمْحُو مَطَامِعَهُ ... أَنَّ البَقَاءَ لِوَجْهِ اللَّهِ مُقْتَصِرُ
وَرُبَّمَا يَشْعُرُ الشَّيْخُ الوَقُورُ بِأَنْ ... غَدَا غَرِيباً، وَفِيهِ الهَمُّ يَسْتَعِرُ
لَا عَقَّهُ الأَهْلُ، لَا الأَحْفَادُ قَدْ زَهِدُوا ... بَلْ ذَاكَ عَالَمُهُ المَاضِي هِيَ الصُّوَرُ
يَعِيشُ بَيْنَ زَمَانٍ قَدْ مَضَى وَوَعَى ... وَآخَرٍ لَيْسَ يَدْرِي كَيْفَ يَخْتَبِرُ
وَلَمْ يَكُنْ شَجَراً جَفَّتْ مَنَابِتُهَا ... بِلَا جَدَاءٍ، وَفِي أَوْرَاقِهَا الخَبَرُ
يَكْفِي بِأَنَّ لَهَا ظِلَّاً وَمَأْكَلَةً ... يَوْمَاً، وَجِذْرَاً بِهِ الأَغْصَانُ تَصْطَبِرُ
وَالشَّيْخُ إِنْ ضَعُفَتْ فِيهِ القُوَى وَنَتْ ... خُطَاهُ، فَالمَجْدُ فِي بُرْدَيْهِ مُدَّخَرُ
أَنْفَاسُهُ دَعْوَةٌ تَهْدِي نَوَاظِرَنَا ... وَصَبْرُهُ حِكْمَةٌ، نُورٌ بِهَا البَشَرُ
فَمَنْ وَعَى أَنَّمَا الآجَالُ قَادِمَةٌ ... يَرِقُّ قَلْبَاً، وَلَا لِلْحِقْدِ يَنْتَصِرُ
وَيُصْبِحُ الزُّهْدُ دُنْيَا لَا يُعَادِلُهَا ... زَيْفٌ يَزُولُ كَمَا يَذْرُو الهَشِيمَ ذَرُ
فَالقِيمَةُ الحَقُّ فِي قَلْبٍ غَرَسْتَ بِهِ ... حُبَّاً، وَمَا لِفَنَاءِ الرُّوحِ يُعْتَصَرُ
ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى المُخْتَارِ سَيِّدِنَا ... مَنْ نُورُهُ فِي ظَلَامِ الكَوْنِ يَنْتَشِرُ
مُحَمَّدِ المُرْتَضَى، مَنْ جَاءَ رَحْمَتَنَا ... وَآلِهِ العُظَمَاءِ، الصِّيْدِ مَا ذُكِرُوا
مراجعة نقدية وتحليلية موسعة
تمثل قصيدة "غُربة العمر وناموس الزمن" للشاعر والقاضي الدكتور حسن حسين الرصابي أنموذجاً حياً لشعر الحكمة المتّصل بالوعي الوجودي الصارم، حيث تنسج القصيدة خيوطها بين نزعتين: نزعة رصد التحولات الكونية وحركة الزمن، ونزعة الرضا واليقين الإيماني.
أولاً: البنية الفكرية والتأثيث الوجودي
ينطلق الشاعر من عتبة ميتافيزيقية واعية، فيبدأ بالبسملة والثناء على المليك القدير، وهو مطلع ذو دلالة عقائدية تُعطي للنص غلافاً من الطمأنينة قبل الولوج إلى وحشة "الغربة" و"الزمن".
* *جدلية الطفولة والكهولة:* يرصد النص ببراعة السيكولوجية الإنسانية؛ فالصغير يرى الحياة بنظرة استاتيكية ثابتة ظاناً أن "الديار وأهل الحي ما عبروا"، ثم تأتي الحركة العنيفة للزمن لتكسر هذا التوهم عبر الاستفاقة على "ضف به عبر".
* *فلسفة التنحي الوظيفي في الكون:* الشاعر هنا لا يرى في زحف الأيام قسوة أو ظلماً، بل هو "ناموس" و"مبادرة كونية". فالأجيال أشبه برسل يؤدي كلٌّ منها رسالته المكتوبة ثم يتنحى ليترك مكاناً لـ "الأثر". هذا المفهوم يُسقط النزعة العدمية عن القصيدة ويجعلها قصيدة رضا وتسليم بالسنن الإلهية.
ثانياً: النقد السيكولوجي (غربة الذات والزمان)
تتجلى عبقرية الشاعر في تشخيص حالة "الشيخ الوقور"، فهو يبرئه من تهمة الانكفاء والتذمر الشخصي؛ فالأهل لم يعقّوه، والأحفاد لم يزهدوا فيه، وإنما أزمتُه تكمن في *"البرزخية الزمنية"*؛ فهو يعيش جسداً في حاضرٍ جديد لم يختبره، بينما تعيش روحه وفكره في عالم ماضٍ تحول إلى مجرد "صور". إنها غربة مكانية-زمانية رصدها الشاعر بروح القاضي المنصف الذي يزن الأمور بميزانها الإنساني الدقيق.
ثالثاً: جماليات الصورة والمجاز (أيقونة الشجرة والشيخ)
يصل التدفق الإبداعي إلى ذروته عند استدعاء الشاعر لصورة "الشجرة العتيقة":
> وَلَمْ يَكُنْ شَجَراً جَفَّتْ مَنَابِتُهَا ... بِلَا جَدَاءٍ، وَفِي أَوْرَاقِهَا الخَبَرُ
هذه الصورة الاستعارية تمنح الكهولة بعداً إنتاجياً جديداً؛ فالأوراق التي جف ماؤها لا تزال تحمل "الخبر" (التاريخ والخبرة)، والجذور تمثل "الاصطبار". ومن ثم، ينعكس هذا المجاز على الشيخ لتبدو أنفاسه هداية للناظرين، وصبره نوراً للبشر، مما يرفع من القيمة المعنوية للمشيب في مجتمعاتنا ويرسخ مبدأ "المجد المدخر".
رابعاً: المراجعة العَروضية والموسيقية
* *البحر الشعري:* كُتبت القصيدة على *بحر البسيط* (مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن)، وهو من البحور الفخمة والمرنة التي تستوعب الطرح الفلسفي الطويل والقصصي. تتابعت التفعيلات بنسق رصين يُحاكي في هدوئه تدفق سني العمر بمَهل.
* *القافية والروي:* اختار الشاعر (الراء المضمومة) روياً لقصيدته مسبوقة بحرف مد أو ساكن (القَدِرُ، العُمُرُ، الصِّوَرُ)، وحرف الراء بتكراره وجهارته يعكس رنيناً شجياً يناسب الزفرات التأملية ومراجعة الذات، كما أن الضمة تمنح الأبيات حالة من الارتفاع والسمو والأنفة.
* *التماسك الموسيقي مضبوط:* لا يوجد هنات عروضية حيث صار النص يجري كالنهر دون أي نتوءات عروضية، مما يمنح القارئ انسيابية تامة في الإلقاء.
خامساً: هندسة الأسلوب والمعجم اللغوي
استند المعجم إلى المفردات الكلاسيكية الجزلة مثل: (العوالي، غبروا، تعتكر، الصيد، الهشيم)، وهي مفردات ترفع من رصانة النص وتبعده عن الابتذال المعاصر. كما تميز النص بـ *"الوحدة العضوية"* الـمحكمة، فلم تكن الأبيات شتاتاً، بل قاد أولُها إلى أوسطِها، وسلّم أوسطُها العنان لخاتمتها الروحية الباذخة بالصلاة على المصطفى وآله، ليغسل ببرد الصلاة رواء الغربة الإنسانية ويحولها إلى طمأنينة إيمانية شاملة.
خلاصة النقد
إن قصيدة "غُرْبَةُ العُمْرِ وَنَامُوسُ الزَّمَن" هي إفراز طبيعي لتجربة ممتدة؛ جمعت وعي القاضي الذي يرى تقلبات أحوال البشر، وروح المفكر الأديب الذي يعيد صياغة السنن الكونية بلغة تقطر عاطفة وحكمة.
وتأتي الخاتمة النبوية الشريفة في الأبيات لتشكل الملاذ الآمن والبلسم الشافي لوعثاء السفر والزمن؛ فبعد التطواف في فلسفة الشيب والغربة، رسا الشاعر بسفينة نصّه الشامخ عند أعتاب النور المحمدي وآله الأطهار، ليؤكد أن الوجود مهما تبدل وتلاشى، فإن التعلق بالباقي الممتد والصلة بالمنبع الروحي الأسمى هي الحصن الحصين، والغاية المثلى لصفاء النفس وحسن الختام.
*21 أكتوبر 2024م - محافظة الحديدة*


























