بقلم /القاضي الدكتور حسن حسين ال
تطلعلينا الذكرى السنوية 52 لحركة 13 يونيو 1974م المجيدة؛ تلك الحركة التصحيحية البيضاء التي قادها الرئيس الشهيد العميد إبراهيم محمد الحمدي، لتمثل نقطة تحول فارقة ومضيئة في تاريخ اليمن المعاصر. لم تكن الحركة مجرد تغيير في هرم السلطة، بل كانت خطوة وطنية ناصعة ومدروسة، لم تُسفك فيها قطرة دم واحدة، فجاءت كإشراقة أمل وتدشين لعهد جديد يتوق فيه الشعب إلى بناء دولة المؤسسات والتنمية والعدالة الاجتماعية.
وخلال فترة قيادته التي لم تتجاوز ثلاثة أعوام ونصف، استطاع الرئيس الحمدي أن يحفر اسمه في وجدان الحركة الوطنية كمهندس رائد لدولة النظام والقانون، ومؤسس للمشروع التنموي الحديث الذي تلاحمت فيه الإرادة السياسية مع الطموح الشعبي لبناء اليمن.
ثورة إدارية لتعزيز الكفاءة ومواجهة الاختلالات
منذ اللحظة الأولى، أدرك الشهيد الحمدي أن بناء الدولة المعاصرة يستلزم إصلاحاً جذرياً لمنظومة العمل الإداري والمالي. وتجسيداً لهذا المنهج العملي، أنشأ "لجنة التصحيح المالي والإداري" كجهاز مختص تولى رفع كفاءة مؤسسات الدولة، وضبط الأداء، وتطهير المرفق الحكومي من الاختلالات والمحسوبية.
وفي خطوة تاريخية شجاعة تجسد جوهر التصحيح وقيم الزهد والمسؤولية، بادر الرئيس الحمدي -الذي قاد الحركة وهو يحمل رتبة "عميد"- إلى إلغاء الرتب العسكرية العليا في القوات المسلحة، معتبراً رتبة "المقدم" هي الحد الأعلى في هيكلية الجيش؛ في خطوة عملية لتكريس العدالة ومحاربة التضخم الرتبوي والمحسوبية، وإعلاء الكفاءة على حساب المظاهر والامتيازات.
بالتوازي مع ذلك، عملت الحركة بحكمة وشجاعة على تعزيز هيبة الدولة وسلطة القانون فوق الجميع؛ حيث جرى تفكيك مراكز النفوذ التقليدية التي كانت تعيق مسيرة الاستقرار، وحُلّ مجلس الشورى السابق لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية، والحد من التدخلات الفئوية في القرار السياسي، واضعاً مصلحة الوطن العليا فوق كل اعتبار.
التنمية التشاركية: ورشة عمل شملت الريف والمدينة
لم يكن الحمدي قائداً عسكرياً وإدارياً فحسب، بل كان رجل تنمية من طراز فريد، آمن بالقدرات الذاتية لليمنيين. ولعل أبرز الإنجازات التنموية للحركة تجسدت في تأسيس "هيئات التطوير التعاوني الأهلي"، والتي أحدثت ثورة مجتمعية مباركة شاركت فيها الدولة والمواطن جنباً إلى جنب.
ومن خلال هذه الهيئات، شُقت الطرقات في الجبال الشاهقة، وبُنيت المدارس والوحدات الصحية في الأرياف والمدن على حد سواء، وقطع اليمن شوطاً كبيراً في نشر التعليم وتوفير المشاريع الخدمية الأساسية، مما جعل البلاد بأكملها تتحول إلى ورشة عمل تنموية لا تهدأ.
الرؤية الاقتصادية وتلمس هموم المواطن
اتسمت فلسفة الرئيس الشهيد الإدارية بالانحياز الدائم لخدمة المجتمع، وتخفيف الأعباء المعيشية عن كاهل المواطنين، انطلاقاً من رؤية عميقة ترتكز على أن استقرار الأوطان وحمايتها يبدأ من تأمين العيش الكريم. ومن أبرز المبادئ التي كرسها في خطاباته وتوجيهاته:
صون الكرامة المعيشية: تأكيدٌ على أن استقرار الحياة اليومية للمواطن وقدرته على تأمين قوته الأساسية هما المقياس الحقيقي لنجاح الاستراتيجيات التنموية والوطنية.
تحقيق العدالة الاجتماعية: إشارةٌ مستمرة إلى أن الاستقرار الاقتصادي، ومحاربة الاحتكار، وتنظيم الأسعار، تمثل الركائز الأساسية لحماية السلم الاجتماعي ونماء المجتمعات.
المسؤولية تكليف لا تشريف: تذكيرٌ دائم بأن الوظيفة العامة والمسؤولية هي أمانة لخدمة الناس، وأن القائد الناجح هو من يتلمس احتياجات مجتمعه ويسعى لرفع المعاناة عنهم، في انسجام تام مع جوهر السياسة الشرعية العادلة وقيمنا الإسلامية الحنيفة.
المؤامرة واغتيال الحلم الوطني
هذا النجاح التنموي الباهر، والتوجه الجاد نحو بناء دولة مؤسساتية مستقلة القرار، أثار حفيظة القوى المتربصة باليمن في الداخل والخارج؛ إذ لم يرق لبعض الأطراف الإقليمية والأدوات المرتهنة لها رؤية يمن قوي، مستقر، ومتماسك. ونتيجة لذلك، نُسجت خيوط مؤامرة دنيئة غادرة انتهت باعتداء آثم واغتيال الرئيس الشهيد في 11 أكتوبر 1977م، لينتهي بذلك عهد من أنصع عهود الاستقرار والنمو الاقتصادي والأمني.
خاتمة: نهج وطني يستحق الاقتداء
لقد غاب إبراهيم الحمدي بجسده، لكن مشروعه وفكرته ظلا حيّين في ذاكرة الأجيال المتعاقبة. إن ذكرى 13 يونيو ليست مجرد مناسبة عابرة لتقليب صفحات الماضي، بل هي محطة تاريخية ملهمة لاستلهام الدروس في النزاهة، والتعاون الأهلي، وكيفية بناء دولة النظام والقانون التي تتسع لجميع أبنائها وتصون مقدراتهم.
سلامٌ على الرئيس الشهيد المقدم إبراهيم محمد الحمدي في ذكرى حركته التصحيحية، وحفظ الله اليمن وطناً حراً، شامخاً، ومستقراً.


























