بقلم/ القاضي د. حسن حسين الرصابي
إن الذكرى المتجددة للهجرة النبوية على صاحبها وآله أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ليست مجرد حدث تاريخي عابر يُروى للاستئناس، أو يُختزل في مظاهر غيبية محض، بل هي مدرسة فكرية متكاملة، ومنهج فقهي وحركي يتجاوز القراءات السطحية؛ ليفكك معالم بناء الدولة، ويضع أسس التخطيط الاستراتيجي البشري، ويرسي قيم المواطنة المشتركة والتحصين الأخلاقي والأمني للأوطان.

• أولاً: التخطيط الاستراتيجي والأخذ بالأسباب.. كمال النهايات لا نقص البدايات
تكشف القراءة التحليلية العميقة لحدث الهجرة أن هذا التحول التاريخي والتمكين لم يكن وليد عفوية أو تواكل كسول، بل كان قمة في التخطيط البشري وإعداد الأسباب المادية المتاحة إلى أقصى حد ممكن، بالتوازي مع التوكل المطلق على مسبب الأسباب. لقد وضع الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- خطة محكمة اعتمدت على رصد المسارات، وتوزيع الأدوار بدقة متناهية وفق معيار الكفاءة والقدرة:
التغطية الأمنية والتمويه العسكري: وتجسد في مبيت الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- في الفراش النبوي للتغطية وأداء الأمانات لأهلها، في رسالة أخلاقية عظيمة تبين أن الخصومة السياسية والعسكرية لا تبرر خيانة الأمانة والمواثيق.
- الدعم اللوجستي والتموين: من خلال الدور البطولي لأسماء بنت أبي بكر في توفير الغذاء والماء، وتحمل مشاق الصعود إلى الغار.
- الاستخبارات وجمع المعلومات: وتمثل في الدور اليقظ لعبد الله بن أبي بكر في رصد تحركات قريش ونقل الأخبار يومياً.
- التعمية الأثرية والأمن الوقائي: الذي قام به عامر بن فهيرة برعي الأغنام خلف الاثر لطمس الآثار وعزل التحركات عن عيون استخبارات قريش.
- الكفاءة المهنية والخبرة الجغرافية: واختيار عبد الله بن أريقط دليلاً للطريق، ورغم أنه كان على غير دين الإسلام حينها، إلا أن المعيار في اختياره كان "الكفاءة والأمانة والخبرة بالطرق الوعرة"؛ مما يؤصل فقهياً للاستعانة بالخبرات والكفاءات في بناء مؤسسات الدولة والدفاع عن الأوطان.
إن هذا المزج المعجز يعلم القوات المسلحة والأمة المعاصرة أن النصر والتمكين لا يتحققان بالأماني أو العشوائية، وتثبت الهجرة حقيقة تاريخية خالدة: أن العبرة دائماً بكمال النهايات لا بنقص البدايات، فمن رحم الحصار والجوع العنيف والاضطهاد الشامل في شعب بني هاشم بمكة، ولدت دولة الفتح والتمكين والحضارة العالمية؛ لأن الصبر والمثابرة والأخذ بالأسباب هي السنن الإلهية التي تقود حتماً إلى بوابات النصر والاستخلاف.

• ثانياً: وثيقة المدينة وتأسيس مفهوم المواطنة المشتركة
حين استقر المقام بالرسول الأكرم في المدينة المنورة، شرع فوراً في صياغة أول دستور مكتوب في تاريخ البشرية لتنظيم العلاقات في مجتمع متعدد الأعراق والديانات والثقافات، وهو ما عُرف بـ (صحيفة المدينة). لقد جاءت هذه الوثيقة الدستورية لترسي دعائم الدولة الحديثة القائمة على معايير عامة ومجردة تحتكم إليها الجماعة، وتذيب الحساسيات، وتجعل الجميع يشعرون بالمسؤولية والمواطنة المشتركة والمساواة أمام الحق، مما يقطع الطريق على شياطين الفتنة والتمزق الداخلي.

وقد أرسى هذا الدستور النبوي قواعد العيش المشترك عبر ثلاث ركائز أساسية:
1. وحدة الأمة السياسية: قررت الوثيقة أن المسلمين أمة واحدة من دون الناس، تتكامل في الحقوق والواجبات والتناصر.
2. الحرية الفكرية والعقائدية: أقرت الوثيقة مكونات المدينة الأخرى (كاليهود) على دينهم وأموالهم، وحريتهم في ممارسة شعائرهم دون إكراه أو تضييق، تجسيداً لقاعدة: (لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ دِينُهُمْ).

3. الدفاع المشترك عن الوطن: ألزمت الوثيقة جميع المكونات، دون استثناء، بالمشاركة في التمويل والدفاع العسكري عن المدينة ضد أي عدوان خارجي يستهدف أمن المجتمع؛ فالدفاع عن الأرض والوطن مسؤولية تضامنية تقع على عاتق الجميع ما داموا يعيشون تحت سقف واحد ويتمتعون بخيْراته وحمايته.
إن هذا التأصيل الفقهي الدستوري يؤكد أن الدولة الإسلامية في منطلقها الأول قامت على رعاية الحقوق، وبناء السلم الأهلي، وحماية الحريات، وتنظيم الواجبات الدفاعية والوطنية، وكسر أغلال العصبية الضيقة لصالح العدالة والنظام والقانون العام الذي يستوعب الجميع ويحفظ كرامتهم.

• ثالثاً: فقه الوحدة وتحصين الجبهة الداخلية ضد المؤامرات
إن من أوجب الواجبات الفقهية والمقاصدية التي تفرضها علينا قراءة السيرة النبوية في هذا العصر، هي إدراك "أولوية وحدة الكلمة ورص الصفوف" وتناسي الخلافات والمناكفات المذهبية والسياسية والاجتماعية الفرعية، إن فقه الهجرة والتمكين يعلمنا أن الرسول الأكرم لم يبدأ ببناء الجيش أو خوض المعارك إلا بعد أن آخى بين القلوب وصهر المكونات المتنازعة في بوتقة واحدة.

إن الإسلام الحقيقي بنقائه المحمدي الأصيل هو الذي يجمع شتات الأمة، ويركز على الثوابت الكبرى والقواسم المشتركة الجامعة: رباً واحداً، ونبياً ورسولاً واحداً، وقرآناً وقبلةً واحدة، ومصيراً وتحديات مشتركة.
وعليه، فإن إثارة النعرات الطائفية، أو النفخ في رماد الخلافات الفقهية والتاريخية القديمة، أو التفتيش في النوايا والطعن في الرموز الدينية لبعضنا البعض، هو هدم مباشر للجبهة الداخلية، وجناية كبرى في حق الدين والوطن، وخدمة مجانية تُقدم للأعداء المتربصين بنا، وعلى رأسهم أخطبوط التآمر الصهيوني العالمي الذي يسعى لتفتيت المفتت وتجزئة المجزأ.
إن وعينا بفرائض السيرة النبوية يحتم علينا اليوم أن نقف صفاً واحداً، وأن نجعل من قيم الهجرة سلاحاً فكرياً وعملياً لبناء الوطن، وصون كرامته، وحماية مكتسباته من كل سوء.

* نائب رئيس لجنة توحيد الخطاب الديني في الجمهورية اليمنية

حول الموقع

سام برس