بقلم/ د. حسن حسين الرصابي
تُطوى من سجل الزمان صفحة، وتُفتح أخرى؛ في حركة دائبة تعكس سنّة التتابع والتعاقب الإلهي. ومع كل رحيل لعام وإشراق لآخر، يجدد المؤمن في نفسه معاني الامتنان واليقظة، مرتقباً غداً يحمل في طياته آمالاً مستأنفة؛ سنودع اليوم عام 1447هـ بوعي المعتبر، ونستقبل غداً غرة عامنا الجديد 1448هـ بعزيمة وثّابة، ونية خالصة لله تعالى، غايتنا شحذ الهمم، وتزكية النفوس، وتطوير المدارك، وصقل السلوك الإنساني ليكون أكثر إشراقاً وعطاءً ونفعاً لواقع أمتنا المثخن بالجراح والآلام.
إن وقوف الأمة الإسلامية على عتبة عام هجري جديد ليس مجرد تتابع رقمي في التقاويم، بل هو محطة ربانية زاخرة بالحِكم والدروس البليغة، ومنعطف يوقظ الضمائر الحية للتدبر والاعتبار. في هذا التبدل السنوي، يدرك العقلاء غاية الوجود، ويستحضرون أبعاد النعمة في حساب الأيام والشهور، والوقوف على مواقيت العبادات من صيام وحج وزكاة، فضلاً عن ضبط شؤون المعاملات والعهود بين البشر؛ وفي هذا يتجلى البيان الإلهي في قوله عز وجل: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا).
ويشير الحافظ ابن كثير في هذا السياق إلى أنه لو جُعل الزمان وتيرة واحدة دونما تمايز أو تبدل، لتعطلت مصالح العباد وعميت عليهم السبل، مصداقاً لقوله سبحانه: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ)، فتنظيم الأوقات وتقسيم الفصول إنما هو رحمة ربانية تستوجب عميق الشكر والاستثمار.
إن العبرة الحقيقية من انصرام الأعوام تكمن في استشعار المؤمن بقرب الأجل مع كل يوم ينقضي، مما يدفعه دفعاً لمضاعفة العمل الصالح والمسارعة إلى نيل رضا ربه، وكما قيل قديماً:
أَتَفْرَحُ بِالأَيَّامِ تَقْطَعُهَا اسْتِـبَاقاً ... وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِيكَ مِنَ الأَجَلِ؟
بيد أن هذا العام الجديد 1448هـ يحلّ على الأمة الإسلامية والعربية وهي تكابد مرحلة من أصعب مراحل تاريخها المعاصر، مِثقلة بويلات الحروب، والخطوب العصيبة، والنوازل المروعة التي تستوجب منّا وقفة محاسبة جماعية لا فردية فحسب. إننا ونحن نستقبل هذا العام، لا يمكن لضمائرنا الفكرية والشرعية أن تغفل عما يدور في جسد الأمة؛ فها هي "غزة" الأبية الصابرة تعيش تحت وطأة تنكيل وبغي لم يشهد له التاريخ المعاصر مثيلاً، وها هو "لبنان" الشقيق يكتوي بنيران الاستهداف والحروب الصهيونية الحاقدة، بينما تتصاعد نُذر التصعيد في "إيران" والمنطقة ككل لتضع السلم في مهب الريح. وفي ذات الوقت، لا تزال جراحات "اليمن الميمون" ـ وطن الإيمان والحكمة ـ تنزف بحثاً عن مشارف الاستقرار والأمن العام، مثلما تتجرع شعوب "السودان" و"ليبيا" مرارة الاقتتال والتمزق والنزوح، مما يستدعي يقظة إسلامية شاملة، وتوحيداً حقيقياً للخطاب والكلمة، والموقف، وتعميقاً لقيم التراحم والنصرة للأشقاء.
وبينما يتنبه العقلاء لهذه المعاني السامية ولتلك الجراح النازفة، نجد فئات من الناس تمر عليهم هذه المحطات في غفلة ساهية، لا يرون في العام إلا مكسباً مادياً أو منفعة دنيوية عابرة؛ فيفرح السجين بانتهاء عامه لنيل حريته، ويسرّ الموظف بمرور الأيام طلباً لترقية أو تخرج أو زواج. ورغم مشروعية الفرح بهذه النعم، إلا أن اقتصار النظر عليها مع الذهول عن مآسي الأمة وعن حقيقة فناء العمر يعد مغبّة كبرى وخسارة ظاهرة؛ نسأل الله العفو والسلامة.
إن من أوجب صفات العاقل البصير أن يتدارك ما بقي من عمره، ويصون أوقاته ليجعلها حجة له لا عليه، فالأعمار قصيرة والآجال محدودة مهما امتدت بسطتها. وحين سُئل نبي الله نوح ـ عليه السلام ـ وقد أمضى في دعوة قومه قرابة الألف عام: "كيف رأيت الدنيا؟"، أجاب ببلاغة المعتبر: "كداخلٍ من باب وخارجٍ من آخر!". فإذا كان هذا شعور من عاش قروناً طويلة، فكيف بنا وأعمارنا تدور في فلك الستين والسبعين؟
إنها الحقيقة اليقينية التي أكدها المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجه: (أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ)، وهذا التوجيه النبوي يشير بوضوح إلى أن الغالبية ترحل قبل السبعين، وأن تجاوز هذا السن يعد من الاستثناءات، مما يتطلب يقظة تامة واستعداداً مستمراً.
ومن هنا، يجب أن نعلم أن امتداد العمر قد يكون منحة أو محنة؛ فطول البقاء في الدنيا دون توبة أو إصلاح للذات ونفع للأمة يغدو عبئاً ووبالاً على صاحبه، إذ تتراكم الحجج والآثام. ولذلك ضبط النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الميزان بقوله: (خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، وَشَرُّ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَساءَ عَمَلُهُ). فلا ينبغي للمرء أن ينخدع بإمهال الله وسعة رزقه، فالحق سبحانه يحذرنا بقوله: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لهمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ).
يا من أكرمك الله ببلوغ هذا العام، تذكر أن كل دقيقة عشتها هي محل سؤال ومحاسبة بين يدي القيوم؛ ففي الحديث الصحيح: (لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ فِيهِ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنِ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ؟). فماذا أعددنا لذاك الموقف العظيم من إجابة صادقة صائبة؟
إن الدنيا بجمالها وزخرفها دار ممر لا دار مقر، وميدان اختبار لدار الخلود والبقاء. والسعيد من وعي حقيقتها، فاستثمر لحظاتها لنفع نفسه وأمته، ونأى بها عن فضول المباحات فضلاً عن الشبهات والآثام.
لذا، نداء يتردد في مسامع الشباب والشيوخ على حد سواء: اغتنموا أنفاس الحياة، وتحينوا فرص الطاعات، وانفروا بقيمكم نحو نصرة المستضعفين وإصلاح ذات البين، ممتثلين التوجيه النبوي الشريف: (اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ).
ومع إشراقة عام 1448هـ، نجعلها وقفة صدق ومراجعة صارمة للذات: ماذا قدمنا لآخرتنا ولأمتنا؟ وكيف هي أحوالنا مع الفرائض والواجبات؟ وهل طهرنا نفوسنا من المظالم والآثام؟ ولنفتش في حقوق العباد من أرحام وأقارب وجيران، ولنراجع مصادر أموالنا ومصارفها، ومدى شكرنا للنعم التي نتقلب فيها صباح مساء، خصوصاً نعمة الأمن التي حُرم منها الكثير من حولنا، ونعمة الصحة، وقبل ذلك وبعده نعمة الإيمان، ونعم الله الظاهرة والباطنة: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ).
إنها خمسة محاور كبرى تحتاج منا إلى تأمل ومكاشفة عميقة: الواجبات، المحرمات، حقوق العباد، المال، والشكر على النعم.
اللهم أيقظنا من غفلاتنا، ونوّر قلوبنا بالإيمان واليقين، واجعل عامنا هذا عام فرج مأمول، يرتفع فيه البلاء وتوضع فيه الحروب أوزارها عن غزة ولبنان واليمن والسودان وليبيا وسائر بلاد المسلمين، واجمع كلمتنا على الحق، وارحمنا برحمتك الواسعة يا أرحم الراحمين.


























