بقلم/ محمد الدلواني
خلال التسعينات كانت للتواصل ملامح مختلفة تماما. لم تكن الهواتف الذكية قد غزت حياتنا، ولم تكن الرسائل الفورية تختصر المسافات في ثوان معدودة. كان التواصل يحتاج إلى صبر، وكانت الكلمات والرسائل تسافر مسافات طويلة قبل
أن تصل إلى صاحبها.
أتذكر أول مرة قرات فيها لمجلة العربي في حياتي، حينها كانت الطرود البريدية هي الجسر الوحيد بين عواصم ومدن العالم . كنت أجلس ساعات طويلة أمام صفحاتها أحاول أن أختار أجمل الكلمات وأصدق العبارات للاستفادةمنها لم أكن أجيد الكتابة المباشرة كثيرا، لكنني كنت أجد نفسي هاوية لذلك. وكانت تمنحني فرصة لأقول ما أعجز عن
قوله وجها لوجه.
كنت أكتب بقلم حبر، وأحرص على أن يكون خطي جميلا وواضحا، وكأن جمال الخط جزء من جمال المشاعر نفسها. أراجع الرسالة أكثر من مرة، أحذف كلمة وأضيف أخرى، وأبحث عن العبارات التي تعبر عن الشوق والحنين والاهتمام. كانت كتابة الرسائل فنا نتعلمه، ومدرسة نتعلم فيها كيف نعبر عن المشاعر بلغة راقية وصادقة.ولم تكن الرسائل لدينا تصل عبر البريد ، فقد كان للمسافرين دور محوري في تلك الفترة. كانوا يحملون الرسائل إلى المغتربين ويعود آخرين بردودها، وبالنسبة لي حاولت تقليد والدي والاقتباس من رسائله حتى أصبحت مع مرور الوقت اعرف أسلوبه في الكتابة واحفظ بعض العبارات التي يرددها كثيرا. كان يبتسم كلما ناولني رسالة جديدة، وكأنه يعرف أن بداخلها ما يكفي ليجعل يومي أجمل. وبالنسبة له فقد كان رسولا مميزا لرسائل وقصص كبيرة، وممن يحمل أسرارا لاغلب سكان منطقتنا ، ويؤدي مهمته بصدق وعفوية وبراءة ووفاء لا ينسى.
وكان لانتظار الردود قصص أخرى لا تقل جمالا عن الرسائل نفسها. وهناك كانت تمر أيام وربما أسابيع واحيانا أشهر من الترقب، وكلما عاد مسافر من غربته، تسارعت دقات قلوب من يتواجد منهم مغترب . وعندما تصل الرسائل، نقوم بقراءتها واحيانا مرة بعد أخرى، ونحتفظ بالكثير منها في صندوق خاص كأنها كنز ثمين.في تلك الأيام
كنا نتعلم الكتابة على الورق والتعامل مع القلم. كنا نتعلم كيف نصوغ المشاعر في كلمات، وكيف نحول الاحاسيس إلى سطور، وكنا نمنح الرسالة جزءا من أرواحنا قبل أن نكمل كتابتها تمهيدا لارسالها. لم تكن هناك رموز تعبيرية ولا رسائل صوتية، بل كلمات صادقة تخرج من القلب وتصل إلى القلب.
اليوم أصبح التواصل سريعا، لكن شيئا من ألق تلك الأيام قد اختفى. فقد كانت الرسالة الورقية تحمل أثر من مشاعر صاحبها بمفرداته ولهجته العامية وخط قلم وورق كاتبها وجهده. وكانت تحمل قيمة لا يمكن أن تمنحها رسالة ترسل بضغطة زر. وحينها كانت الحياة أبسط، لكن المشاعر كانت أعمق، وكانت الرسائل تعلمنا أن التواصل ليس مجرد كلمات تكتب، بل وقت يمنح، وصبر يمارس، واهتمام يترجم نفسه على الورق حرفا بعد حرف. وعندما أستعيد تلك الذكريات اليوم، لا أتذكر مواقف محددة، بل أتذكر أيضا والدي رحمه الله الذي ورثنا عنه كتابة الرسائل وقراءة الفصول وبعض الاحكام ، وأتذكر زمنا كانت تصل فيه رسائل استثنائية واحيانا ملفته لا زلت اتذكر بعض مفرداتها ونصوصها حتى اليوم ومنها ما تصنع سعادة تكفي لسنوات طويلة وذكريات لا تمحى.


























