بقلم/ الدكتور علي احمد الديلمي
يعد رئيس الوزراء الراحل الاستاذ محسن العيني من ابرز الشخصيات السياسية اليمنية التي تناولت طبيعة العلاقات اليمنية السعودية بقدر كبير من الصراحة فقد كان يرى ان استمرار التدخلات الخارجية في الشأن اليمني اسهم في اضعاف الدولة واطالة امد الصراعات ونسب اليه قوله ان السعودية لو اغلقت الحنفية واوقفت التدخل في شؤون اليمن لتوقفت الحروب والمشاكل وبدأت التنمية واصبح اليمن عونا لجيرانه والمنطقة كلها واقيمت علاقات طبيعية مع السعودية تقوم على الاخاء والمودة والمصالح المشتركة وتعكس هذه الرؤية قناعة بان استقرار اليمن يبدأ بامتلاك قراره الوطني بعيدا عن التأثيرات الخارجية مهما كانت دوافعها او مبرراتها

لقد اتسمت العلاقات اليمنية السعودية عبر العقود بالتداخل الجغرافي والتاريخي والقبلي والسياسي والاقتصادي وهو ما جعلها من اكثر العلاقات العربية تعقيدا وتشابكا فالمملكة العربية السعودية تنظر الى اليمن باعتباره عمقا استراتيجيا لامنها القومي بينما يرى كثير من اليمنيين ان النفوذ السعودي تجاوز في مراحل مختلفة حدود التعاون الطبيعي الى التأثير المباشر في القرار السياسي وفي موازين القوى الداخلية وقد اسهم ذلك في جعل العلاقة بين البلدين تتأرجح بين التعاون والشراكة من جهة وبين التنافس والاختلاف حول طبيعة ادارة الملف اليمني من جهة اخرى كما ان اعتماد كثير من القوى السياسية اليمنية على الدعم الخارجي اضعف مؤسسات الدولة وشجع على الانقسامات الداخلية وخلق بيئة اصبح فيها البحث عن الدعم الخارجي يتقدم على البحث عن التوافق الوطني وهو ما انعكس سلبا على بناء الدولة وعلى قدرتها في ادارة خلافاتها عبر المؤسسات الدستورية والقانونية

وفي المقابل يرى باحثون ومراقبون ان الازمة اليمنية لا يمكن تفسيرها بعامل واحد او بطرف خارجي فقط فهي نتاج تراكمات طويلة من الصراعات السياسية والانقسامات الاجتماعية وضعف مؤسسات الدولة وانتشار الفساد والصراعات المسلحة اضافة الى تعدد التدخلات الاقليمية والدولية ولذلك فان معالجة الازمة تتطلب اصلاحا وطنيا شاملا يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها بالتوازي مع بناء علاقات متوازنة مع دول الجوار تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل والتعاون لتحقيق الامن والاستقرار والتنمية المشتركة

ومن هذا المنطلق تبقى الفكرة التي ارتبطت بمحسن العيني دعوة الى اعادة صياغة العلاقات اليمنية السعودية على اسس جديدة تجعل المصالح المشتركة والتنمية وحسن الجوار بديلا عن الصراعات والتنافس على النفوذ فاليمن عندما يمتلك دولة قوية ومؤسسات مستقلة وقادرة على اتخاذ قراراتها الوطنية بحرية سيكون اكثر قدرة على حماية مصالحه الوطنية وفي الوقت نفسه سيكون اكثر قدرة على ان يكون شريكا موثوقا للمملكة ولدول المنطقة كلها فاستقرار اليمن ليس مصلحة يمنية فحسب بل يمثل ركيزة اساسية لاستقرار الجزيرة العربية والامن الاقليمي


وبرأيي الشخصي فان التجربة الممتدة طوال العقود الماضية ولا سيما خلال سنوات الحرب كشفت ان كثيرا ممن ارتبطوا بعلاقات وتحالفات مع السعودية من القوى والشخصيات اليمنية سواء داخل الشرعية او خارجها لم ينظروا الى المملكة باعتبارها شريكا استراتيجيا ينبغي الحفاظ على مصالحه واستقرار علاقته باليمن بقدر ما نظروا اليها بوصفها مصدرا للدعم والتمويل والمكاسب الشخصية والسياسية ولذلك بقيت المصالح الآنية هي التي تحكم سلوك كثير من هؤلاء اكثر من حرصهم على بناء شراكة حقيقية بين البلدين وقد انعكس ذلك سلبا على اليمن كما لم يحقق للسعودية الاستقرار الذي كانت تسعى اليه

ومن هنا فان المملكة العربية السعودية مدعوة الى اجراء مراجعة شاملة لتجربتها في اليمن والانتقال من سياسة الاعتماد على الاشخاص والقوى المتغيرة الى بناء علاقة استراتيجية مباشرة مع الدولة اليمنية تقوم على الاحترام المتبادل والندية الكاملة وعدم التدخل في القرار الوطني وعلى المصالح المشتركة والتنمية والتكامل الاقتصادي والامني فالعلاقات التي تبنى على المؤسسات والدول لا على الافراد والولاءات العابرة تكون اكثر رسوخا واستدامة واليمن القوي والمستقر والمستقل سيظل الضامن الحقيقي لامن المملكة واستقرار المنطقة اما استمرار الرهان على شبكات المصالح الضيقة فلن يؤدي الا الى اعادة انتاج الازمات واستمرار دوائر الصراع بما يضر بمصالح الشعبين اليمني والسعودي على حد سواء

حول الموقع

سام برس