بقلم/ العميد الركن دكتور. حسن حس
بينما تتنفس السياسة الدولية الصعداء مدفوعةً بحديثِ التهدئة ووقف إطلاق النار المؤقت في المنطقة، يبدو أن لغة الأرقام وأمن البحار لهما رأي آخر تماماً. ففي عمق الممرات المائية الأكثر حرجاً في العالم، وتحديداً في "مضيق هرمز"، لم تنجح المساعي الدبلوماسية في نزع فتيل "الهلع الأمني"؛ إذ قررت نقابات البحارة وشركات الشحن العالمية تمديد تصنيف المضيق كـ "منطقة عمليات حربية" حتى التاسع من يوليو الجاري.

هذا الإصرار على إبقاء حالة التأهب القصوى يعكس حقيقة واضحة:
- الهدنة على الأرض لا تعني بالضرورة الأمان في البحر.
• فاتورة الأمان: عندما تتفوق المخاطر على الدبلوماسية
القرار ليس مجرد توصية حبر على ورق، بل هو حراك قانوني ومالي يطال قرابة 15 ألف سفينة تجارية مرتبطة باتفاقيات المنتدى الدولي للمفاوضة الجماعية (IBF). هذا التصنيف يترجم مباشرة إلى لغة الكلفة العالية من خلال:
- مضاعفة أجور البحارة: نظير الإبحار في مياه تُوصف بأنها "خطرة على الأرواح".
- حق الرفض المطلق: منح الأطقم البشرية الحق القانوني في رفض ركوب البحر عبر المضيق، والعودة إلى بلدانهم على نفقة الشركات المشغلة.
هذه المعادلة تضع شركات النقل البحري بين مطرقة الالتزامات التعاقدية وسلاسل الإمداد، وسندان التكلفة التشغيلية التي تضاعفت بشكل جنوني؛ مما يؤكد أن الواقع الأمني للملاحة الدولية ما زال أسيراً للتهديدات المباشرة، ولم يتأثر بـ "الهدنة الهشة".
• غياب اليقين يعيد اللجان الأسبوعية
أكد الاتحاد الدولي لعمال النقل (ITF) ومجموعة التفاوض المشتركة (JNG) أن هذا الموقف الصارم نابع من تقييم ميداني دقيق يضع "حماية الأرواح" فوق أي اعتبارات سياسية.

ومن المؤشرات البارزة على عمق الأزمة، قرار اللجنة المشتركة بالعودة إلى الاجتماعات التقييمية الأسبوعية (بعد أن كانت قد توقفت في مايو الماضي)، وذلك لغياب أي مؤشرات ملموسة على تحسن البيئة الأمنية في المضيق. هذه العودة الممنهجة للمراقبة اللصيقة تعني أن مجتمع الشحن الدولي بات يتعامل مع مضيق هرمز بعقلية "إدارة الأزمات المستمرة" وليس العابرة.
• ارتدادات جيوسياسية: سلاسل الإمداد في عين العاصفة
يمثل مضيق هرمز عنق الزجاجة لصادرات الطاقة العالمية، وأي اضطراب في تصنيفه القانوني أو الأمني يرسل موجات ارتدادية فورية إلى الأسواق العالمية. إن استمرار اعتبار المضيق منطقة حرب يترتب عليه نتائج استراتيجية معقدة:
- إن استمرار هذا التصنيف يفرض ضغوطاً إضافية متصاعدة على أسواق الطاقة، ويرفع من كلفة التأمين البحري، مما يؤدي بالتبعية إلى زيادة هشاشة سلاسل الإمداد العالمية التي تعاني أساساً من تقلبات حادة في ظل مناخ اقتصادي دولي مضطرب.

• خلاصة المشهد
يكشف هذا التطور أن "عقدة الملاحة العالمية" في مضيق هرمز ستبقى رهينة غياب اليقين الاستراتيجي. فالهدنة السياسية المؤقتة قد تنجح في إسكات المدافع مؤقتاً على اليابسة، لكنها تعجز عن ترميم جدار الثقة المفقود في عرض البحر، ليظل المضيق ساحة مفتوحة لـ "التصعيد المؤجل" وضغوط الجغرافيا السياسية.

حول الموقع

سام برس