بقلم/ د. نيفين مسعد
من الصعب المرور بشكلٍ عابرٍ على الدلالات العميقة لردود الفعل العربية الرائعة بعد مباراتّى مصر وأستراليا ومصر والأرچنتين، ففى الحالة الأولى كانت الفرحة عارمة بفوز المنتخب المصرى، وفى الحالة الثانية كان الغضب شديدًا على الظلم البيّن الذى تعّرض له المنتخب المصرى، ولولاه لتغيّرت نتيجة المباراة. وسوف يركّز مقال اليوم على التفاعل العربى مع نتيجة المباراة الأولى، لأنه الذى توفّرت عنه مادة أكثر. الاحتفاء العربى بفوز مصر يكاد ألا يُصدق بالمعنى الحرفى للكلمة،التهانى من أصدقاء وطلاب سابقين من مختلف أنحاء الوطن العربى تغمر هواتف المصريين، وتُغرق وسائل التواصل الاجتماعى بكل مظاهر الفرح والابتهاج والسعادة.فعلى صفحته دوّن الكاتب الفلسطينى زياد خدّاش ما يلى «هكذا نحن العرب نولد مصريين ثم نصبح جزائريين وفلسطينيين وسوريين وعراقيين..نحبك مصر فيلمًا ولهجةً وصعيدًا وعشقًا وتاريخًا وكتابًا وثورةً».. فى كلام خدّاش مبالغة بالتأكيد لكن بعض المبالغة مقبول فى الأدب، خاصة أن اللفتة الرائعة لحسام حسن حين رفع العَلَم الفلسطينى إلى جانب العلَم المصرى سبَبَت نوعًا من جيشان المشاعر العربية العابرة للحدود،فما بالنا بالحال فى غزة وخيام غزة؟ ستكون لنا عودة لاحقا لتناوُل رد الفعل الفلسطينى.على منصّة «أساس ميديا» كتب المحلّل اللبنانى زياد عيتانى مقالًا بعنوان «الدنيا من دون مصر اكتئاب»،واستهلّه بالفقرة التالية «ليس فى الأمر مبالغة، فمنذ وعينا على هذه الدنيا ونحن نسمع أن مصر أمّ الدنيا، وأنها ليست دولة عربية كبيرة وحسب، بل حالة حضارية وثقافية وإنسانية لا تشبه سواها، فيها من التاريخ ما يكفى ليمنح الأمم ذاكرة،ومن الفن ما يكفى ليمنح الشعوب وجدانًا، ومن الناس ما يجعل الغريب يشعر أنه بين أهله قبل أن يسأله أحد من أين جاء، نعم الدنيا من دون مصر اكتئاب».
وسوف يأخذ عامر عبد الله المعلّق الرياضى الإماراتى فكرة خفة ظل المصريين خطوة أبعد عندما يقول»مصر تجيد هى بنفسها التعبير عن الفرح»ويضرب مثلًا بالزغرودة التى تجبرك على الابتسام بشكلٍ تلقائى دون أن تعرف ماهو الموضوع بالضبط.وتظهر دانيا حنّاوى صانعة المحتوى السورية فى ڤيديو لتقول»يا مصر بتعمليها إزاى بطّلت غنيّة وطنية مصرية ..من اليوم ورايح هى غنيّة وطنية بتخّص الوطن العربى كلاّته».وفى الحقيقة فإن الفرحة فى شوارع دمشق كانت غامرة ولعلها تنزل بردًا وسلامًا على المشاعر العنصرية التحريضية من الجانبين.فلقد رأيت شابًا يقول إنه سورى مصرى لأنه قضى فى مصر 14 سنة لم يجد خلالها من المصريين إلا كل خير،ومَن يقول بأعلى صوته : من دمشق هنا القاهرة.وهذه الجملة بالتحديد لها فى مخيّلة أبناء الجيل الذى أنتمى إليه ذكرى عزيزة على القلب لا يمكن نسيانها أبدًا،فعندما قُصفت محطة أبو زعبل التى كانت منها تُبّث إذاعة صوت العرب،لم يمّر يوم إلا وكان يُعلن انطلاق صوت العرب من دمشق.
لم يعش أبناء الأجيال الجديدة هذه الذكرى وهذا التاريخ، لكنهم يعرفون بالتأكيد أن مصر وسوريا ترافقتا فى الوحدة والحرب ومثّلتا مع السعودية ركيزة الأمن القومى العربى فى مرحلةٍ تاريخية معينةٍ.مظاهرات فرح عارمة فى العراق والسعودية وسلطنة عُمان والأردن وفى ليبيا أيضًا وهذه كانت مفاجأة بالنسبة لى. صيحات وتهان فى صنعاء وعدن رغم كل التعقيدات التى تباعد بين المدينتين، لكن مصر كانت لها أيام فى اليمن: شماله وجنوبه.
يبقى التعبير الفلسطينى عن الفرحة هو أكثر ما يخلع القلب ويهّز المشاعر هزًا، فهؤلاء الفلسطينيون لا يزالون رغم كل شىء قادرين على الابتهاج وتذوّق طعم السعادة فى الأشياء الصغيرة .على سطح أحد البيوت المدمرة يفترش الأرض عدد كبير من الغزّاويين من أعمار مختلفة..وعلى الجدار العلمان المصرى والفلسطينى .. وفى مرمى البصر تقف دبابات جيش الاحتلال الإسرائيلى وفوهاتها موجهّة صوب البشر والحجر،لكنها لم تعد تُرهب. يتابع الغزّاويون المباراة و يترقبون بقلق نتيجة ضربة الجزاء الأخيرة للاعب المصرى حسام عبد المجيد، فما أن يسدد الكرة فى مرمى الفريق الاسترالى حتى تجتاح المكان هيستريا الفرح وتعبئ فراغه الأحضان والهتافات والضحكات.لاحقًا سوف تتوالى تعبيرات لا أوّل لها ولا آخر عن نفس المشاعر الجيّاشة،أغان فلسطينية لتحية المنتخب الوطنى المصرى تثبت أن الإبداع يولد من رحم الأحزان، بورتريه لمدرّب المنتخب بعد أن اكتسب بتصرفه التلقائى محبّةً عربيةً واسعةً تجاوزَت حدود غزّة، دموع الفرح التى لا تكذب أبدًا تُغرق الشاشات كيف نقرأ المشهد العربى البديع المحتفِى بمصر والمحتفل معها؟ نقرأ أن المكوّن العربى هو مكوّن أصيل فى هويّات شعوب هذه المنطقة الجغرافية الممتدة من المحيط إلى الخليج.فمهما حاول البعض طمس العروبة وإذابتها فى أطر تضيق وتتسع حسب المصلحة،ومهما تعالى البعض على العروبة وسخروا منها- تأتى لحظة معينة لتجرف معها كل الزبَد فيذهب جفاءً .
هذه العروبة لا تدخل فى منافسة مع الخصوصيات الوطنية، ولا الهويات الفرعية ولا تتعارض مع الانفتاح على الجوار والعالم كله.لكنها بالتأكيد توفّر للشعوب العربية لغةً واحدةً وذائقةً فنيّةً متقاربةً وعادات متشابهة وصلات نسب ومصاهرة وحركة عمالة نشطة ونضالًا سياسيًا مشتركًا وتأثيرًا وتأثرًا،ثم تأتى القضية الفلسطينية لتمثَل العروة الوثقى وواسطة العِقد العربى.نقرأ أيضًا تكرار الإشارة فى أسباب محبّة الشعوب العربية لمصر- إلى قوتها الناعمة التى قدّمت اللهجة والدراما والحضارة ومدرسة التلاوة والأغانى والرياضة والفكاهة والمطبخ والأدب والشِعر والفن المصرية إلى ملايين الأسر والبيوت العربية، والتى وفرّت للدول العربية بعض أفضل الكوادر التى ساهمَت فى نهضتها العمرانية وبعض أحكَم السياسيين ممن تلقّوا تعليمهم فى مصر وتخرّجوا فى أقدم جامعاتها. وهذا كله يعيد تأكيد المؤكّد وهو الحاجة للاهتمام بتطوير القوة الناعمة المصرية التى هى أثمن وأهم عناصر قوة مصر على الإطلاق.
وأخيرًا فإن مصر التى كانت دائمًا بيتًا للعرب،والتى تدين بجزءٍ كبيرٍ من نهضتها الثقافية والفنية والصحفية على امتداد القرن الماضى كله -لعربٍ من بلاد الشام بالمعنى الواسع،والعراق و الجزائر وتونس-تحتاج إلى أن تتمسك بهذه الروح العربية بكل قوتها، وأن تواجه دعاوى العزلة والانكفاء على الداخل وتتجاوزها،فمصر أولًا هى مصر المتفاعلة أخذًا وعطاءً مع محيطها العربى، مصر التى يشعر كل العرب بأن لهم سهمًا فيها وأن فيهم جزءًا عزيزًا منها.
نقلاً عن الاهرام اليومي


























