بقلم/ يحيى محمد القحطاني
ليس العيب أن يغيّر الإنسان رأيه إذا ظهر له الحق؛ فمراجعة المواقف فضيلة، والاعتراف بالخطأ شجاعة، والرجوع إلى الصواب قوة لا ضعف. لكن الكارثة تبدأ عندما لا يكون التغيير نابعًا من قناعة صادقة أو خدمة للمصلحة العامة، بل استجابةً لمنفعة شخصية، أو مكسب مادي، أو طموح إلى منصب أو نفوذ.
فحين تُباع المبادئ وتُشترى المواقف، يتحول الولاء من الوطن إلى الأشخاص، ومن الحقيقة إلى المصلحة، ومن القيم إلى المكاسب. وعندها يفقد الناس ثقتهم بكل شيء؛ لأنهم يرون من كان يهاجم بالأمس يصفق اليوم، ومن كان يدافع عن الحق أصبح يدافع عمن كان يصفهم بالباطل، لا لأن الحق تبدّل، بل لأن المصالح تغيّرت.
ومن هنا، فإن أخطر ما يهدد الأوطان ليس اختلاف الآراء، وإنما انهيار المبادئ واختلال المعايير. فحين تتبدل القناعات بتبدل المناصب، وتصبح المواقف سلعة في سوق المصالح، وتتقدم المكاسب الخاصة على القيم الوطنية، تضيع البوصلة، وتغيب القدوة، ويختلط الحق بالباطل، وتتعطل وظيفة الدولة في تحقيق العدالة، وحماية الحقوق، وخدمة المواطنين.
ولذلك، فإن اليمن لن يستعيد مكانته، ولن يخرج من أزماته، ولن يبني دولةً موحدةً مستقرةً، في ظل الحروب والصراعات، والانقسامات السياسية والعسكرية، وتعدد السلطات، وتضارب الولاءات. كما أن مستقبله لن تصنعه الانتهازية ولا أصحاب الوجوه المتعددة، بل رجال دولة يثبتون على مبادئهم، ويقدّمون مصلحة الوطن على مصالحهم الشخصية، ويجعلون الولاء لليمن فوق كل ولاء آخر.
وليس ما يعيشه اليمن اليوم إلا نتيجةً طبيعيةً لتغليب المصالح الخاصة على المصلحة الوطنية. فما شهدته البلاد، قديمًا وحديثًا، لم يكن بسبب شح الموارد أو ضعف الإمكانات بقدر ما كان ثمرةً لتقديم الولاءات والمحاصصة على الكفاءة والاستحقاق. وعندما تُمنح المواقع على هذا الأساس، ينتشر الفساد، وتتراجع مؤسسات الدولة، وتتوقف عجلة التنمية، ويدفع المواطن وحده ثمن تلك السياسات.
ومن هنا، فإن المواقف التي تتبدل بتبدل المصالح لا تستحق الاحترام، لأن قيمة المبدأ لا تُقاس بما يحققه لصاحبه من منفعة، وإنما بما يحققه لوطنه من عدل، واستقرار، ونهضة.
فالوطن لا يحتاج إلى من يغيّر مواقفه كلما تغيّرت الظروف، وإنما إلى أصحاب ضمائر حية، ومبادئ راسخة، وإخلاص لا يتبدل بتغير المناصب أو المصالح.
وحين تصبح المصلحة الشخصية هي البوصلة، فلا تنتظر إلا مزيدًا من تأخر الأوطان، وتراجع الشعوب، وضياع الحقوق؛ فالأمم لا تسقط بسبب قلة مواردها، وإنما يوم تُباع المبادئ في سوق المصالح، ويُشترى الضمير.
والله من وراء القصد.


























