بقلم/ أ.د. محمد النظاري
منذ أن أطلق الإنجليز القواعد الأولى لكرة القدم، بقيت "المستديرة" ساحة للشعوب، وملاذاً للعدالة المفقودة في دهاليز السياسة. وطوال عقود، جاهدت الهيئات الرياضية لرفع شعار "لا للسياسة في كرة القدم"، معتبرة استقلالية اللعبة خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.

لكن ما شهدناه مؤخراً في أروقة كأس العالم 2026 من تدخل سافر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واتصاله المباشر برئيس الفيفا جاني إنفانتينو لإلغاء البطاقة الحمراء الصريحة للاعب منتخب بلاده فولارين بالوغون، يمثل زلزالاً حقيقياً يهدد بتهديم المعبد الرياضي على رؤوس الجميع.بصفتي حكماً سابقاً ومراقباً للمباريات، أدرك تماماً أن قيمة كرة القدم تكمن في قداستها القانونية؛ فالقانون رقم (12) من قوانين اللعبة، والخاص بالأخطاء وسوء السلوك، وُضع ليُطبق على الجميع بالتساوي، من أصغر دوري محلي كالدوري اليمني، وصولاً إلى نهائيات كأس العالم. عندما يشهر الحكم بطاقة حمراء مستحقة، فإنها تصبح قراراً نافذاً يمثل هيبة الصافرة والعدالة التحكيمية.

أما أن تدخل "العنجهية السياسية" لتبطل مفعول قرار تحكيمي اتُخذ في مستطيل أخضر، فهذه سابقة خطيرة تحول "الفيفا" من منظمة رياضية مستقلة إلى أداة تابعة للقوى السياسية الكبرى.إن خطورة هذا التدخل لا تتوقف عند حدود كسر القانون، بل تمتد لتضرب مبدأ "تكافؤ الفرص" في مقتل. والضحية المباشرة هنا هو منتخب البوسنة والهرسك، الذي وجد نفسه في مواجهة غير عادلة. كيف يستقيم منطق اللعبة عندما يقابل منتخب البوسنة لاعباً "مطروداً بقوة القانون" وصادراً بحقه عقوبة إيقاف، ليجده أساسياً في الملعب بـ "قرار رئاسي سياسي"؟ هذا الإجراء لا يحرم البوسنة من ميزتها التنافسية المشروعة فحسب، بل يبعث برسالة إحباط شديدة للمنتخبات الصغيرة والنامية، مفادها أن النفوذ السياسي خارج الملعب أقوى من الجهد والعرق والالتزام داخله.

ما غاب عن الرئيس الأمريكي، وهو يظن أنه يدير صفقة تجارية أو سياسية، أن كرة القدم تمتلك نظاماً بيئياً فريداً يقوم على الاحترام المتبادل واستقلالية القرار. إن شرعنة مثل هذه التدخلات تعني ببساطة إلغاء دور اللجان الانضباطية، وتحويل الحكام إلى مجرد "منفذين" يخشون إشهار البطاقات بوجه لاعبي الدول العظمى خوفاً من "اتصال رئاسي" يبطل قراراتهم.إننا أمام منعطف تاريخي حرج. وإذا لم تنتفض الأسرة الكروية الدولية، والاتحادات القارية، لحماية اللعبة والدفاع عن هيبة الصافرة، فإننا سنعلن رسمياً موت الرياضة وولادة "المسرحية السياسية المستديرة". ومن هنا، ومن واقع خبرتنا في الملاعب، نضم صوتنا لصوت الأحرار في عالم التدريب والرياضة، ونقولها لترامب ولكل من يحاول تسييس شغف الشعوب: "هذه لعبتنا.. ليست لعبتكم، ارفعوا أيديكم السياسية عن مستطيلنا الأخضر، فعدالة الصافرة أبقى من نفوذ الكراسي".

من الآن فصاعدا، ستدار أكبر لعبة شعبية في العالم (كرة القدم) بمكالمة هاتفية، وأي رئيس يتصل برئيس الفيفا هذا الهدف الغيه وهذا الفوز غيره وهذا اللاعب لا يعجبني امنعه من اللعب أمام منتخب بلادي!!!
رئيس الفيفا انفنتينو بعد أن خرب كأس العالم عبر استراحه الذي فرضه ونفذه ، برفع عدد المنتخبات إلى ٤٨ منتخبا، ها هو يخرب سمعة اللعبة من خلال انصياعه لمكالمة هاتفية من رئيس دولة، وعلى إثرها يضرب عرض الحائط بقرار حكم المباراة ولجنة الانضباط!!.
ما يحدث يكشف الكذبة الكبرى للفيفا والمتمثلة بفصل الرياضة عن السياسة، بل وفرض عقوبات على الدول التي يتدخل سياسيوها في اللعبة، ولا ندري ما يسمي الفيفا هذه الحادثة؟.
كرة القدم اللعبة التي ظلت ولو على الأقل ظاهريا بعيدة عن تأثرها بالسياسة، ها هي تركع ومن مجرد اتصال هاتفي!!
لا نستبعد غدا ان اتصل غدا ترامب طالبا تعيين طاقم تحكيم متعاون مع منتخب بلاده، من أجل فوزه ووصوله لمراحل متقدمه.
بهذا المنظر المأساوي، هل سيستسلم ترامب لخسارته لكأس العالم، اذا ما كان طرفا في اللقاء النهائي وخسارته للنهائي؟!.
يفترض بالجمعية العمومية للاتحاد الدولي لكرة القدم، الدعوة لاجتماع يخصص لهذا الخرق الكبير للقانون، فهي المخولة بسحب البساط من رئيس الفيفا، هذا أن أرادت أن تبقى كرة القدم لعبة رياضية خالصة.

حول الموقع

سام برس