بقلم /لقاضي الدكتور حسن حسين الر
ليست الحياة مجرد تتابع رتيب لليل والنهار، ولا هي أرقامٌ صماء تتراكم في سجلات المواليد والوفيات لتُطوى مع الزمن. إن القيمة الحقيقية للوجود الإنساني لا تُقاس بالمدد الزمنية المحدودة، بل بالبصمة الروحية والفكرية التي يتركها المرء في مسيرته؛ فالأعمار تُقاس بالآثار لا بالأنفاس. هناك من يمرّ بهذه الدنيا مرّ السحاب العابر، لا يترك خلفه ظلاً ولا يروي غليلاً، وهناك من تحيا بهم الدنيا وتزدهر وإن غيبتهم أطباق الثرى وجارت عليهم صروف المنون؛ لأنهم أدركوا مبكراً بوعيهم البصير أن العمر الحقيقي هو عمر الأثر المستدام، لا عمر الجسد الفاني.

وحين يعيش الإنسان لفكرة أكبر منه، أو ينذر نبضات قلبه لقضية تتجاوز حدود ذاته الضيقة وطموحاته الشخصية، أو يرتهن لمبدأ يؤمن في أعماقه أنه يستحق البذل والتضحية، فإن عمره ينعتق فوراً من قيود السنوات الضيقة وحسابات الأيام المحدودة. عندها، لا يعود المرء ابن أربعين أو خمسين أو سبعين سنة، بل يتحول إلى امتدادٍ حيّ ونابض لسلسلة طويلة من الأحرار والمصلحين الذين حملوا الفكرة نفسها، وذادوا عن المبدأ ذاته عبر تعاقب العصور والأزمان؛ فيصبح الفرد أمة، وتصبح الأيام دهوراً.

ولهذا التلازم البديع بين الفكرة والخلود، كان الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ومن سار على دربهم من العلماء والمصلحين، أطول الناس عُمراً وأبقَاهم ذكراً، وإن كانت أعمار بعضهم في الحساب الزمني قصيرة ومحدودة بمقاييس السنين. والسر الكامن في هذا الخلود أنهم لم يعيشوا يوماً لأنفسهم أو لملذاتهم الذاتية، بل عاشوا يحملون همّ الرسالة، ويحترقون ليضيئوا مشاعل الهداية والوعي للبشرية، فاستحالت أنفاسهم منارات لا تنطفئ.

إن غياب الجسد ليس نهاية المطاف للمصلحين وأصحاب الرسالات الذين وهبوا حياتهم للحق؛ فلقد غادروا الطين، وأصبحت أجسادهم تحت التراب وارتوت من عرق تضحياتهم الأرض، بينما بقيت كلماتهم ومواقفهم وتضحياتهم حية نابضة في عروق الزمن، ما زالت تصنع الأمم من ركام العدم، وتغير مجرى التاريخ، وتُعيد تشكيل الضمائر الإنسانية، وتوجه بوصلة الأجيال الصاعدة نحو الحق والفضيلة والكرامة؛ لتثبت أن الفكرة الصادقة أقوى من الموت وأبقى من الطغيان.

إن العيش من أجل "قضية" هو الترياق الوحيد والبلسم الشافي ضد الفناء المعنوي والنسيان المطبق. وحين تضيق الحياة الاجتماعية بحساباتها المادية وتكالبها على الحطام الفاني، يظل العطاء الفكري والجهاد القيمي هو الأفق الأر حب الذي يتسع لخلود الإنسان ورفعة شأنه في الدنيا والآخرة. فلنبحث دائماً عما وراء الذات، ولنغرس في أرض الأيام كلمات ومواقف ومبادئ لا تموت بموتنا؛ ليظل أثرنا من بعدنا منارةً تستضيء بها العقول وتسترشد بها الأرواح، فالحياة موقف، والموقف خلود.
وقد جادت القريحة في ختام هذا المقال بهذه الأبيات:
مَا مَاتَ مَنْ زَرَعَ الجَمِيلَ مَوَاقِفَا ... بَلْ مَاتَ مَنْ عَاشَ الحَيَاةَ مُجَازِفَا
إِنَّ العِظَامَ وَإِنْ تَوَارَى طِينُهَا ... تَحْتَ التُّرَابِ، تَظَلُّ نُوراً وَاصِفَا
أَعْمَارُنَا لَيْسَتْ سِنِينَ نَعُدُّهَا ... بَلْ نَفْحَةٌ لِلْحَقِّ تُحْيِي العَارِفَا
فَاجْعَلْ حَيَاتَكَ لِلْمَبَادِئِ مَشْعَلًا ... وَاتْرُكْ وَرَاءَكَ فِي الزَّمَانِ مَعَارِفَا
فَالقَبْرُ يَحْوِي الجِسْمَ عِنْدَ رَحِيلِهِ ... لَكِنَّمَا الأَثَرُ العَظِيمُ سَيَشْرَفَا.

حول الموقع

سام برس