بقلم/ د. حسن حسين الرصابي
تأطير العقول وتدجين النخب (9) ..
قراءة في كتاب الحرب النفسية : وسائلها وأساليبها الملتوية
للمؤلف : العميد الركن الدكتور/ حسن حسين الرصابي

يمر الوعي الجمعي للأمتين العربية والإسلامية بأحد أكثر أطواره حرجاً وشللاً؛ حيث لم تعد أدوات الاستعمار الحديث بحاجة إلى تحريك الجيوش وتجريد الحملات لفرض السيطرة الميدانية، بل استُعيض عنها بأساليب متقدمة في الهندسة السلوكية والتلاعب بالبنية الفكرية لمن يملكون زمام القرار. إن قراءة المسار الممتد من حقبة "جوبلز" في برلين وصولاً إلى أروقة أجهزة الاستخبارات الدولية يكشف كيف تطورت نظرية "صناعة الوهم" من مجرد تضليل إعلامي بدائي إلى علم متكامل يُعنى بإدارة السلوك وتدجين النخب وتطويع الإرادة السياسية للدول.

أولاً: استراتيجيات اختراق القرار وتزييف المفاهيم
• إعادة تشكيل المصطلحات الهيكلية: تفكيك المفاهيم القومية والجامعة واستبدالها بمسميات أمنية هشة؛ كتحويل جغرافيا "الوطن العربي" إلى مجرد "شرق أوسط" خاضع لإعادة التشكيل والتوزيع وفق أجندات مشبوهة.

• إدارة التناقضات وصناعة الأزمات: توظيف الصراعات البينية لإشغال الشعوب والنخب في متسلسلات وهمية. وفي وثائق سرية تتقاطع مع تحريات البوليس الدولي (الإنتربول) حول شبكات التضليل العابرة للحدود، رُصدت تحويلات مالية ضخمة ينبع تمويلها من مصدر استخباري واحد لدعم طرفين متناحرين في نزاع إقليمي؛ والهدف ليس غلبة طرف على آخر، بل إبقاء الصراع في حالة استنزاف دائم تتيح تمرير المخططات الاستراتيجية الكبرى دون مقاومة.

• الارتهان وتوجيه السلوك السيادي: إدخال القيادات والنخب في أطر تنسيقية ومسارات ارتهان تسلب القرار الوطني استقلاليته. وتوضح أدبيات الجاسوسية الحديثة تكتيك "الاحتواء الناعم" عبر استدراج الفاعل السياسي أو المفكر بمناصب براقة ودعوات لمراكز أبحاث دولية، ليقع تدريجياً في فخ "الواقعية السياسية" ويمرر مفاهيم الهزيمة.
ثانياً: مظاهر الهشاشة في التعاطي الرسمي
• انعدام الحصانة الاستراتيجية: غياب الخطاب الفكري المؤسسي القادر على صد اختراقات الحرب النفسية، والارتهان لردود الأفعال اللحظية.
• ارتباك الخطاب السياسي: رفع شعارات حماية الأمن القومي وقضايا الأمة في الوقت الذي تمضي فيه الممارسات الميدانية نحو الانخراط في مشاريع تخدم التبعية والأجندات الصهيونية.

• انفصام الوعي وعجز الرواية: اتساع الشقة بين الخطاب الرسمي المشرعن ببلاغة هشة، وبين الواقع المكشوف أمام الجماهير التي لم تعد تنخدع بالروايات المفبركة.

إن مواجهة هذه المنظومة الممتدة من صناعة الوهم تتطلب مغادرة مربع الانفعال الهش إلى مربع البناء المؤسسي، واستعادة الوعي القانوني والسياسي، وتفكيك أدوات الحرب النفسية والإعلامية التي تُدار بها المنطقة؛ ضماناً لاستقلالية القرار الوطني وحماية للمقومات الحضارية والسيادية للأمة.
يتبع بإذنه تعالى الحلقة العاشرة من القراءة من كتاب الحرب النفسية وسائلها واساليبها الملتوية .

حول الموقع

سام برس