بقلم/ يحيى محمد القحطاني
بعد أكثر من ستة عقود على انتصار ثورة 26 سبتمبر 1962، يحق لليمنيين أن يسألوا بلا مواربة: ماذا بقي من مشروع الثورة؟ لقد أسقط اليمنيون نظامًا إماميًا جعل الجهل قدرًا، والفقر واقعًا، والمرض معاناة، وأغلق أبواب التعليم والحرية والمشاركة السياسية، وحرم الشعب من أبسط مقومات الحياة الحديثة. ومن هنا، لم تكن الثورة يومها خيارًا سياسيًا مؤقتًا، بل ضرورة تاريخية للخلاص من واقعٍ أبقى اليمن خارج العصر، وفتح الطريق أمام الجمهورية والدولة الحديثة.
ولذلك اختصر المشير عبدالله السلال، أول رئيس للجمهورية، حجم التحول في مشهد واحد؛ فعندما عاد إلى صنعاء ورأى مطارها الأسفلتي وصالاته، تذكّر يوم استُقبل الرئيس الجزائري هواري بومدين على مدرج ترابي، وعلى ضوء الفوانيس، بلا صالة ولا كهرباء. يومها قال بومدين: «لو كنا نعلم أن الشعب اليمني مظلوم إلى هذا الحد، لبدأنا بتحريره من الإمامة قبل تحرير الجزائر من الاستعمار». لكن المفارقة المؤلمة اليوم أن الثورة التي فتحت أبواب المستقبل، لم تستطع أن تحمي اليمن من العودة إلى دوامة الصراع والانقسام.
أسقطت الثورة الإمامة، لكنها لم تستكمل بناء الدولة التي قامت من أجلها. فبدل أن تصبح الجمهورية إطارًا لحكم الشعب بالقانون والمؤسسات، دخلت البلاد في صراع متواصل على الحكم؛ توالت الانقلابات والحروب، وتقدمت مراكز النفوذ على مؤسسات الدولة، وأصبح الوصول إلى السلطة يُحسم بالقوة لا بإرادة الشعب. وهنا بدأ الانحراف الذي أضعف الجمهورية، ومهّد لتدخلات الخارج.
ولم تكن المشكلة في الثورة، بل فيمن صادروا أهدافها وحوّلوا الجمهورية إلى ساحة لتصفية الصراعات. وظل بناء دولة المواطنة والقانون والديمقراطية مؤجلًا، فيما دفع اليمنيون ثمن ذلك عقودًا من الدماء والانقسامات. وتكشف مذكرات الرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني جانبًا من هذا المسار الذي لم يكن مجرد صراع على الحكم، بل تعثرًا مستمرًا في بناء دولة تتسع لجميع أبنائها.
وحين ضعفت الدولة، وجد الخارج منفذًا إلى اليمن، فتدخل في صراعاتها، داعمًا طرفًا وضاغطًا على آخر، ومساندًا للحكومة تارةً ومُضعفًا لها تارةً أخرى، وفقًا لمصالحه وحساباته، لا حرصًا على اليمن ولا دفاعًا عن اليمنيين. غير أن النفوذ الخارجي لم يُفرض من فراغ؛ إذ استدعته قوى يمنية واستعانت به في مواجهة خصومها، فتحول التدخل الخارجي إلى عنصر من عناصر الصراع الداخلي، وأصبحت اليمن ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية، فيما كانت السيادة الوطنية أول ضحايا هذا الارتهان.
وهنا يجب أن تقال الحقيقة بلا مواربة: الخارج مسؤول عن التدخل، والداخل مسؤول عن استدعائه. فمن يستقوي بالخارج لإضعاف خصمه، يفتح بابًا يصعب إغلاقه، ومن يمنح الآخرين نفوذًا في بلاده لا يستطيع أن يتحدث عن استقلال القرار. وهكذا دخل اليمن في حلقة مفرغة: صراع داخلي يستدعي الخارج، وتدخل خارجي يفاقم الصراع، ودولة تزداد ضعفًا في كل مرة.
والمأساة أن اليمن لم يخسر بسبب قلة التضحيات، بل بسبب إهدارها في صراعات على الحكم والنفوذ. واليوم يعود الفقر والمرض والتخلف في صور أشد قسوة، ويتراجع التعليم، وتنهار الخدمات، وتتآكل مؤسسات الدولة، بينما يدفع المواطن ثمنًا لصراعات لم يخترها. فأي ثورة هذه التي أسقطت الإمامة ولم تنجح بعد في حماية اليمني من الفقر والخوف والانقسام؟ وأي جمهورية هذه التي لم تجعل القانون أقوى من السلاح، والوطن أقوى من الجماعة؟
لقد آن لليمن أن يخرج من هذه المهزلة التاريخية، وأن يستعيد مساره الذي انحرف منذ عقود. لا نريد وصاية إقليمية مكان وصاية إقليمية، ولا نفوذًا يُستبدل بنفوذ، ولا ممولًا بديلاً عن ممول. نريد دولةً يمنيةً حقيقية: الشعب مصدر السلطات والشرعية، والانتخابات طريق الوصول إلى الحكم، والقانون فوق الجميع، والجيش مؤسسة وطنية، والسلاح حصرًا بيد الدولة.
وعلى الخارج أن يرفع يده عن اليمن، وعلى اليمنيين أن يقطعوا الطريق أمام كل من يستدعيه أو يستقوي به. فلا سيادة مع وصاية، ولا استقلال مع ارتهان؛ واليمن ليس ساحةً لنفوذ الآخرين ولا ورقةً في صراعاتهم.
فاليمن ليس غنيمة لقوة، ولا ملكًا لحزب أو طائفة أو قبيلة، ولا تابعًا لعاصمة أو ممول. اليمن لليمنيين، وسيادته لا تُستعاد بتغيير الوصي، بل بإسقاط فكرة الوصاية نفسها.
والله من وراء القصد.


























