بقلم/ العميد / الدكتور حسن حسين
لم تكن الحرب التي فُرضت على اليمن طوال أكثر من اثني عشر عاماً مجرد مواجهة بالصواريخ والمدفعية في جبهات القتال، بل رافقتها بالتوازي حربٌ أشرس وأعمق في "ميدان الوعي"؛ حرب نفسية ممنهجة شُنّت على حكومة صنعاء ومؤسساتها والمجتمع الداخلي، واستخدمت فيها دول العدوان وأجهزتها الاستخبارية كل ما تملكه من أسلحة الإرجاف والإشاعة والتضليل.
ومع تحول المعطيات الميدانية والبحرية الأخيرة، تكثفت هذه الحرب النفسية في أعتى صورها عبر أجهزة الإعلام، والشائعات الرقمية، والحسابات الوهمية الموجهة، محاولةً تعويض الإخفاق العسكري بتحقيق "إسقاط ناعم" من الداخل.
تفكيك أساليب الخديعة من واقع الميدان
إن ما نشهده اليوم من تصعيد إعلامي ونفسي مكثف يجسد تماماً ما أفردنا له باباً تحليلياً شاملاً في كتابنا (الحرب النفسية وسائلها وأساليبها الملتوية)، حيث تراهن مطابخ الاستخبارات المعادية على تكتيكات ملتوية تعتمد "التغليف الحقيقي للشائعة" و"إرباك البيئة المجتمعية".
ومن أبرز أمثلة هذه الحرب النفسية التي طبّقها العدو ميدانياً:
- صناعة الطابور الخامس والإرجاف الاقتصادي: ضخ شائعات متواصلة تستهدف الرمزية المالية والخدمية، كإشاعة "الانهيار الوشيك للعملة" أو "انقطاع المرتبات، والمواد الأساسية" قبيل كل استحقاق سياسي أو عسكري، لخلق هلع شعبوي يضغط على القرار السياسي؛
- الاستهداف الشديد للبيئة الداخلية (التشكيك في القادة والرموز): إطلاق حملات ممولة عبر الفضاء السيبراني تفبرك الخلافات بين القيادات والمؤسسات السياسية والعسكرية بهدف إيجاد "صدمة ثقة" بين المواطن وقيادته؛
- شيطنة الموقف البحري والعسكري: محاولة تصوير العمليات البحرية المساندة والإسناد الإستراتيجي على أنها "مغامرات غير محسوبة" لإيجاد شعور بالخوف والاستنزاف، مستخدمين منابر إعلامية عربية وغربية مأجورة.
تكتيك "الإغراق المعلوماتي" وكسر الإرادة
تعتمد الحرب النفسية المعاصرة ضد المحافظات الحرة على تقنية "الإغراق المعلوماتي"؛ أي إغراق وسائل التواصل الاجتماعي بآلاف الأخبار المزيفة في وقت واحد لتشتيت العقل الجمعي وإرهاقه نفسياً، حتى يعجز الفرد عن تمييز الحقيقة من الزيف.
غير أن هذا التكتيك المتطور يصطدم بعامل جوهري غفلت عنه الخوارزميات وغرف العمليات النفسية، وهو "الحصانة الإيمانية والوعي الشعبي الأصيل". فلولا ثبات هذا الشعب ويقظة أجهزته التوجيهية والإرشادية، لكانت هذه الشائعات المكثفة كفيلة بإسقاط دول ومجتمعات كاملة من الداخل.
التوجيه المعنوي كجدار صد استراتيجي
إن الاستجابة الأمنية والعسكرية وحدها لا تكفي لدحر الحرب النفسية، بل يتطلب الأمر "توجيهاً معنوياً وإرشاداً دينياً ووطنياً" يسبق شائعات العدو ويفكك بنيتها التضليلية أولاً بأول.
فحين يتكامل وعي المواطن على المنبر والشارع مع يقظة المؤسسات الأمنية والعسكرية، تتحول الشائعة من أدوات هدم إلى دليل إفلاس ورعب لدى العدو؛ إذ يدرك أن كل موجة إرجاف تبثها مطابخه ترتد عليه خيبة وفشلاً أمام صلابة الجبهة الداخلية.
حتمية انتصار الوعي
إن الحرب النفسية المعاصرة التي تشتد وطأتها اليوم على صنعاء ليست إلا الفصل الأخير من فصول "صراع الأدمغة"؛ وفي هذه المعركة، لن تحسم النتيجة بأعداد المنصات والميزانيات الإعلامية الضخمة، بل ستُحسم بصمود العقيدة وصدق الرسالة الوطنية.
وسيبقى القلم والفكر حارسين لهذا الوعي، مساندين لثبات هذا الشعب العظيم حتى تتحطم كل الأجندات والأساليب الملتوية على صخرة صموده وثباته.
*(مؤلف كتاب: الحرب النفسية وسائلها وأساليبها الملتوية)


























