بقلم/ يحيى محمد القحطاني
هناك ظواهر لا تظهر فجأة، بل تتسلل إلى المجتمع في أوقات الفوضى، ثم تترسخ تدريجيًا حتى تصبح سلوكًا مألوفًا يصعب التوقف عنده. ومن أبرز ما ترسخ في حياة شريحة واسعة من الشباب والطلاب منذ نكبة اليمن عام 2011 وما بعدها، عادة تخزين القات طوال الليل والنوم نهارًا؛ حتى أصبح الليل للقات، والنهار للنوم، بينما تأتي الدراسة والطموح في آخر سلم الأولويات.

في تلك النكبة المشؤومة، كان الشباب يتناولون القات ليلًا لكتابة الشعارات وحفظها، ثم يخرجون بعد الظهر إلى الساحات للمشاركة في المظاهرات وترديد الهتافات. ومع مرور السنوات، لم ينتهِ هذا النمط بانتهاء تلك المرحلة، بل استمر وترسخ وتحول إلى عادة متجذرة. وما نراه اليوم من السهر ليلًا والنوم نهارًا ليس سلوكًا طارئًا، بل امتداد لذلك النمط الذي بدأ منذ النكبة، وأصبح مع مرور الوقت أسلوب حياة، على حساب الدراسة والصحة والطموح.

وهنا ينبغي أن نطرح على أنفسنا سؤالًا جادًا: ماذا نفعل بأجيالنا؟
وأي مستقبل ينتظر طالبًا يقضي الليل في التخزين، ثم يتوجه إلى مدرسته أو جامعته صباحًا بجسد مرهق وعقل فاقد للتركيز؟ يبدأ التراجع بالتأخر والغياب، ثم ضعف الاستيعاب والتحصيل، وقد ينتهي بالرسوب أو التوقف عن الدراسة. فالساعة التي تضيع في الليل قد تتحول في النهار إلى درس فائت، ودرجة مفقودة، وفرصة تعليمية لا تتكرر.

ولا يقتصر الخطر على التعليم؛ بل أيضًا الموظف ألذي يستهلك ليله بالقات ويبدأ نهاره بالنوم، فالسهر المتكرر واضطراب النوم، يرتبطان بالإرهاق والقلق والتوتر والعصبية، وتقلب المزاج وضعف التركيز والحافز، وقد تتفاقم لدى بعض الشباب أعراض نفسية وعصبية. ومع استمرار هذا النمط يجد الشاب نفسه عالقًا، في دائرة تستنزف طاقته وتضعف قدرته على الإنتاج والتعلم والعمل وبناء مستقبله.

والأخطر أننا تعايشنا مع الظاهرة واعتدناها. فالأسرة ترى، والمدرسة تلاحظ، والمجتمع يدرك، ثم يستمر الجميع في التعامل معها وكأنها أمر طبيعي. نطالب الشاب بالنجاح والانضباط، بينما نتركه يعيش نمطًا يوميًا يناقض كل ما نطالبه به.

وعليه، فالمسؤولية لا تقع على الشباب وحدهم؛ بل يتحمل المجتمع أيضًا مسؤولية السماح لهذه العادة بالنمو، ثم الشكوى من نتائجها.

فكيف نطلب من جيل أن يسهم في بناء اليمن، بينما نسمح له بإهدار سنوات شبابه بين السهر والنوم؟ وكيف نطالبه بالطموح، بينما تُستهلك أفضل ساعات عمره بعيدًا عن الكتاب والتعلم والعمل؟

اليمن مثقلة بالفقر والحرب والانقسام والبطالة وتراجع التعليم وانهيار الخدمات. فليس من المعقول أن نضيف إلى أزماتها جيلًا يستنزف مستقبله بيده.

لقد آن الأوان لأن تتوقف الأسرة والمدرسة والمجتمع عن تبرير هذه الظاهرة، وأن يدرك الشباب أن مرحلة الشباب لا تتكرر، وأن الوقت الذي يضيع اليوم لن يعود غدًا.

فاليمن التي ينام شبابها نهارًا ويستهلكون ليلهم في التخزين، لا تخسر ساعات من يومها فحسب؛ بل تخسر طاقة جيل ومستقبل وطن.

والسؤال الذي ينبغي أن نواجهه بوضوح ودون مواربة:
هل سنظل نتعامل مع تخزين القات ليلًا والنوم نهارًا وكأنه أمر طبيعي، أم نمتلك الشجاعة لنقول: كفى؟

إن تخزين الليل لم يعد مجرد عادة اجتماعية؛ بل أصبح إنذارًا نفسيًا وتعليميًا وصحيًا لجيل مهدد بإهدار شبابه قبل أن يبدأ بناء مستقبله.

والله من وراء القصد.

حول الموقع

سام برس