بقلم/ د. باسم المذحجي
هناك فجوة استراتيجية في الدبلوماسية اليمنية تتمثل في غياب الكادر الشبابي المؤهل لغويًا وتراكم آلاف المتفوقين من خريجي الثانوية العامة دون مسار وطني. ونقترح في هذا العمل إنشاء "البرنامج الوطني للخدمة الدبلوماسية للمتفوقين"، حيث يقضي أوائل الجمهورية خدمة وطنية لمدة عام كامل في السفارات والقنصليات والمراكز الثقافية اليمنية في الخارج.

وتستند الورقة إلى منهجية مقارنة مع التجربتين الصينية والروسية، وتتبنى إطارًا نظريًا يابانيًا يقوم على مبادئ الكايزن Kaizen والغيمبا Gemba والنيماواشي Nemawashi، بهدف تحويل المتفوقين إلى جنود دبلوماسية جدد يدرسون اللغة ويستعدون لتخصصهم أثناء الخدمة.

أولاً: الإشكالية.

1. سفارات اليمن تعاني من شيخوخة الكادر وضعف اللغات والتحول الرقمي.
2. أكثر من 3000 متفوق سنويًابلا توظيف، عرضة للهجرة أو الاستقطاب.
3. غياب مشروع للقوة الناعمة اليمنية يقدم اليمن الحضاري بدلاً من يمن الحرب.

ثانيًا: التجارب الدولية - خلفية نظرية.

من خلال التواصل المباشر مع المراكز الثقافية، تبين الآتي:

أ. التجربة الصينية والروسية: ترسلان طلابهما المتفوقين لخدمة عام كامل في المراكز الثقافية كجزء من الإعداد للدبلوماسية المستقبلية. الطالب يدرس لغة ويستعد لتخصص.
ب. التجربة اليمنية السابقة: كان الطالب يقضي خدمة في الجيش وفي التدريس. هذا العمل تقترح تحديثها إلى خدمة دبلوماسية.
ج. التجربة اليابانية: وهي الأساس المنهجي لهذه العمل.

ثالثاً: الإطار المنهجي - المنهج الياباني.

اعتمد هذا العمل على المنهج الياباني في بناء الإنسان لأنه الأكثر ملاءمة لظروف اليمن:

1. مبدأ النيماواشي Nemawashi (إعداد الجذور): مرحلة تأسيسية لمدة 3 أشهر في ديوان وزارة الخارجية بعدن. يتعلم فيها الطالب الانضباط والبروتوكول وتاريخ الدبلوماسية اليمنية. الهدف تثبيت الجذور قبل الزرع في الخارج.

2. مبدأ الكايزن Kaizen (التحسن المستمر): الخدمة ليست وظيفة بل مسار تحسن يومي بنسبة 1%. يبدأ الطالب بمهام بسيطة كالأرشفة والاستقبال، ثم يتدرج إلى الترجمة وتنظيم الفعاليات الثقافية، وصولًا إلى إتقان لغة البلد المضيف مع نهاية العام.و كذلك التشبيك والاتصال والتوأمة الاستراتيجيين مع البلدان العربية.

3. مبدأ الغيمبا Gemba (الميدان): التعلم لا يتم في قاعة محاضرات، بل في الميدان الحقيقي: صالة التأشيرات، أرشيف السفارة، وخدمة الجالية. الميدان هو المعلم.

4. مبدأ التنظيم الخماسي 5S: توكل للدفعة الأولى مهمة استراتيجية هي إعادة تنظيم وأرشفة ملفات السفارات المتراكمة منذ عقد. هذا التطبيق العملي يغرس الانضباط المؤسسي.

5. مبدأ الهانسي والسينسي Hansei & Sensei: يلتزم كل طالب بتقرير تأمل أسبوعي (هانسي) بعنوان "ماذا تعلمت عن اليمن اليوم؟" ويرتبط كل طالب بسفير متقاعد كمعلم روحي (سينسي) ينقل له خبرة التمثيل الدبلوماسي.

رابعًا: آلية التنفيذ المقترحة.

المرحلة الأولى (تأسيسية - 3 أشهر): تدريب مركزي في العاصمة عدن وأخرى في تعز ومأرب وحضرموت على البروتوكول واللغة والأرشفة.

المرحلة الثانية (خدمة ميدانية - 9 أشهر): توزيع الطلاب على السفارات والقنصليات. المهام تشمل الترجمة واستقبال المواطنين ،وتنظيم فعاليات ثقافية ؛وتقديم تقرير تأمل أسبوعي.

المرحلة الثالثة (تقييم ومسار): منح شهادة خدمة دبلوماسية وتحديد مسار البعثة الجامعية في تخصصات العلاقات الدولية والقانون الدولي واللغات.

خامسًا: المخرجات والتوصيات.

المخرجات المتوقعة: تخريج 500 دبلوماسي شاب سنويًا، وتوفير أكثر من 70% من كلفة المترجمين المحليين، وبناء قوة ناعمة يمنية في كل عاصمة.

التوصية الختامية: هذا العمل يدعو مجلس القيادة الرئاسي ووزارة الخارجية ووزارة التربية والتعليم إلى إصدار قرار جمهوري بإنشاء البرنامج الوطني للخدمة الدبلوماسية للمتفوقين، وتوقيع مذكرة تفاهم مع وكالة جايكا اليابانية" JICA" لدعم المنهجية.

فمن أراد بناء يمن كبير، فليبدأ بدبلوماسية كبيرة، بجنود جدد، وبمنهج ياباني وعقل يمني.

باحث استراتيجي يمني.

حول الموقع

سام برس