بقلم/ د . حسن حسين الرصابي
(مؤلف كتاب: الحرب النفسية وسائلها وأساليبها الملتوية)
في عالم الاستخبارات المعتم، يُعد "صراع الأدمغة" أشرس المعارك على الإطلاق؛ معركة لا تُقاس قوتها بعدد الرصاص ولا بالعتاد الثقيل، بل بالقدرة على اختراق الوعي، واستمالة العقول، وتفكيك المجتمعات من الداخل.
إن ما نرقبه اليوم من محاولات فرض أجندة صهيونية على المنطقة ليس مجرد مشاريع عسكرية أو سياسية عابرة، بل هو تغلغل ناعم يعتمد خديعة "المصائد العاطفية والتجنيد بالمداهنة". غير أن الاختراقات الأخيرة قدّمت نموذجاً فريداً يجسد ما فصّلناه في كتابنا (الحرب النفسية وسائلها وأساليبها الملتوية) حول مفهوم "الارتداد العَقَدي للعميل"؛ حيث تتحول أداة الاختراق نفسها إلى شاهد إثبات على تفوق القيم الإسلامية والوطنية، وسقوط الخوارزميات الأمنية أمام الفطرة البشرية السوية.
بين "كوهين" و"الهجان".. دروس السقوط والاختراق المضاد
لا يمكن فهم شواهد الحاضر دون تفكيك جذور الصراع التاريخي، واستحضار نماذج كشفتها اليقظة والوعي الأصيل:
- سقوط إيلي كوهين: الذي ارتدى قناع القومية للوصول إلى مراكز القرار، لكنه سقط حين اصطدم بيقظة استخباراتية لم تغرّها المساحيق البراقة ولا البهرج المالي.
- اختراق رأفت الهجان (رفعت الجمال): النموذج العكسي الملهم؛ حيث أراد العدو صناعة اختراق في قلب الأمة، فإذا بصلابة العقيدة والواجب الوطني تحول البطل إلى شباك تصطاد العدو في عقر داره وتكشف اختلاله.
- فشل عمليات "الزنبقة" (مصائد الإسقاط العاطفي): وهي التكتيك الاستخباري الشهير القائم على استغلال العنصر النسائي أو العلاقات لإسقاط الهدف بابتزاز عاطفي؛ غير أن هذا التكتيك كان يصطدم دائماً بالفشل المحتوم كلما واجه بنية أسرية صلبة ومنظومة قيمية متماسكة.
وفي المحطات المعاصرة، تتجلى "الاستخبارات الشعبية" ورادار الأسرة الفطري كحائط صد يسبق الأجهزة الأمنية في كشف زيف الأقنعة التجسسية مهما بلغت حيل التنكر والمخاتلة.
التنافر المعرفي وتفكيك "الانهيار الأخلاقي"
عند تحليل تكتيكات الحرب النفسية التي تعتمدها أجهزة العدو، نجدها تراهن على التسلل عبر المقدسات ودخول البيوت من أبواب الوداد لكسر "الحاجز النفسي والأولي". غير أن هذا التكتيك يصطدم بواقع نفسي يغفله العقل الاستخباري المجرد:
- انكسار الأداة أمام النقاء: عندما يواجه العميل المكلّف بالإسقاط بيتاً عامراً بالإيمان والنقاء، تنشأ لديه صدمة قيمية تُعرف بـ "التنافر المعرفي والاختلال الإدراكي".
- الانهيار الداخلي للجاسوس: إن التناقض الحاد بين مهمة "الخيانة" وبين ما يلمسه العميل من صدق ودعاء بالمغفرة والهداية، يحدث شرخاً هائلاً في ولائه لجهازه المستكبر، ليتحول الدافع من التجسس إلى التوبة، ومن العمالة إلى اعتناق الحق.
- تفوق الفطرة على الخوارزمية: أثبتت التجربة الميدانية أن "نظرة عين قلقة" ترصدها حماةٌ واعية أو زوجٌ مؤمن تتفوق أمنياً على أكثر تقنيات أجهزة التنصت تطوراً.
الاستخبارات المضادة كـ "فعل شعبي" ومجتمعي
إن الأمن في مفهومه الأصيل ومضامين رسالتنا الوطنية ليس مجرد أرقام وإجراءات تقنية تختص بها الأجهزة الأمنية وحدها، بل هو "وعي مجتمعي شامل" وحصانة تتدفق في شرايين المجتمع.
فالأجندات المتربصة تراهن دائماً على تفكيك الروابط الأسرية وإشاعة السيولة الأخلاقية، لكنها عندما تصطدم ببيتٍ بُني على المودة والرحمة والسكينة، يصبح الجسم الدخيل غريباً يسهل طرده حيوياً وتعرية أهدافه. وهنا يتكامل دور الوعي الذي تبثه منابر التوجيه والإرشاد الديني مع يقظة المواطن، ليتحول كل فرد إلى حارسٍ للوعي، لا من باب التوجس، بل من باب اليقظة الإيمانية والواجب الوطني.
كرامة الإنسان وتفوق المنهج
إن تحول أي عميل من مربع "الخيانة" إلى مربع "الهداية" يطرح حقيقة نصاعة المنهج الإسلامي وعلو كعبه في حفظ كرامة الإنسان. فبينما تتعامل الأجهزة الاستخبارية الاستعمارية مع أدواتها كقطع شطرنج مجردة ومستهلكة للوصول إلى أهدافها، يمنح المنهج الحق للإنسان كرامته وحقه في التوبة والهداية وحماية العرض.
إن ضمانات الكرامة الإنسانية وحرمة الفرد والتوبة الصادقة هي التي تهزم خوارزميات الموساد الباردة، فتحرير العقول والقلوب بنور الحق يسبق ويكمل انتصار الأجهزة الأمنية في الميدان.
حراسة الوعي وبقاء العقيدة
إن تساقط أوراق الاختراق وتهاوي أوهام الهيمنة وتزييف الوعي تؤكد جميعها أننا أمام معادلة أمنية وقيمية ثابتة:
ستبقى الأقلام الحرة حارسة لهذا الوعي، وسنظل نؤصل لهذه الانتصارات الشاملة في محراب العلم وميادين التوجيه والإرشاد؛ فالحرب في جوهرها حرب وجود ووعي، والمنتصر فيها هو صاحب العقيدة الأرسخ، والرسالة الوطنية الأصدق.


























