بقلم/ القاضي د. حسن حسين الرصابي
قراءة قرآنية في سيكولوجية النفاق وجنايته على الأمة
يُمثل النفاق الظاهرة الأكثر خطورة في مسيرة المجتمعات الإنسانية، إذ لا تكمن خطورته في المواجهة المباشرة، بل في التغلغل الخفي داخل النسيج الداخلي للأمة. والمنافقون في حقيقتهم هم "الطابور الخامس" الذي يعيش في وسط مجتمع المؤمنين، يأكل من خيراته ويتسمى بأسمائه، لكن ولاءه وتحركاته وخيوطه تُدار بالكامل لصالح الأعداء.

ولأن خطورة هذه الفئة تفوق في أثرها التدميري جبهات الأعداء الظاهرين، أفرد القرآن الكريم مساحات واسعة وسوراً كاملة لتشريح هذه الظاهرة، وهتك أستارها، وكشف منطلقاتها النفسية والسلوكية، لحماية الجبهة الداخلية من التصدع والانهيار.
وفي السطور التالية، نستعرض أبرز الملامح والصفات التي حددها الوحي الإلهي لشخصية المنافق:
أولاً: تولي الكافرين والارتهان للخارج

قدم القرآن الكريم صفة "موالاة أعداء الأمة" في أكثر من موضع باعتبارها الملمح الأبرز والجامع لكل أصناف المنافقين. فالخلل في العقيدة والولاء هو الجرح الغائر الذي تولد منه النفاق، وسواء كانت هذه الموالاة علنية أو سرية، فإن المنطلق واحد وهو ابتغاء القوة والمنعة عند قوى الاستكبار العالمي.
- يقول الله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 138-139].
ثانياً: الكذب الممنهج والظاهرة الصوتية الخادعة
يتجاوز الكذب عند المنافقين مجرد السلوك العابر ليصبح بنية نفسية متكاملة، فهم يكذبون حتى في أقدس المواقف وعند النطق بالشهادة. ويغطي هذا الكذب قناع من الفصاحة والبيان والظهور بمظهر الأناقة والتماسك الجسدي، لكنها أجساد خاوية من الروح والمعنى، يصاحبها جبن رعديد يجعلهم يعيشون رعباً دائماً وتوجساً من كل صيحة أو تحول.

- وقد رسم القرآن ملامحهم بدقة متناهية في سورة المنافقون: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ * وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: 1-4].
ثالثاً: التذبذب السياسي والمواقف المائعة
لا يملك المنافقون مشروعاً مبدئياً، بل تتحكم في مواقفهم الانتهازية والمصلحة الآنية، فهم يعيشون حالة من التذبذب بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر، يقدمون الوعود والعهود الغليظة للكافرين بالدفاع والمساندة في الخفاء، لكنهم عند أول مواجهة حقيقية تظهر حقيقتهم في التخلي والفرار، وانتظار الدوائر لمعرفة لمن ستكون الغلبة ليميلوا معها.
- يصفهم المولى عز وجل بقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: 143].
- ويقول سبحانه كاشفاً تحالفاتهم الهشة مع أهل الكتاب من الكافرين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر: 11-12].
رابعاً: الشماتة بالمؤمنين والسرور بآلامهم

إن معيار الفرح والحزن عند المنافق مرتبط طردياً بنجاح الأمة أو انكسارها. فهم يعيشون حالة من الكآبة والإنكار عند أي انتصار يحققه أهل الحق، وتغمرهم بهجة عارمة ونشوة غامرة إذا ما حلت بالمؤمنين نازلة أو مصيبة.
- يقول تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ [التوبة: 50].
وإذا ما أسقطنا هذه الآية على واقعنا المعاصر، نجد تجلياتها واضحة وضوح الشمس؛ فالمنافقون اليوم هم الذين ساءهم انتصار قواتنا الباسلة في "الساحل الغربي"، وضاقوا ذرعاً بنجاحات اليمن في استعادة مضيق باب المندب والجزر الحاكمة وتأمين الثبات وفرض السيطرة المباشرة على حركة السير وتشخيص اتجاهات السفن وحماية مرورها السلس وتأمين مسار التجارة العالمية، وفرضِ حصارٍ بحريٍّ زلزل عروش الصهاينة ومن يدور في فلكهم، ومَن تلذَّذَ بفرض الحصار على شعب اليمن المقاوم لمدة تقارب 12 عاماً.
خامساً: قلب الموازين؛ الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف
المنافقون يعملون كأدوات لتشويه الوعي الجمعي للأمة، من خلال عكس المفاهيم، فيصبح فرض معادلة الحصار بالحصار والجهاد والمقاومة والذود عن العرض والأرض في قاموسهم "إرهاباً" ومغامرة غير محسوبة، ويمارسون من خلال ذلك أبشع صور التخذيل والتحريض الساخر، وفي المقابل يشرعون الأبواب والنوافذ لنشر الفسق والفجور والترفيه المحرم المنسلخ من قيم العروبة والإسلام، كما تفعل بعض الأنظمة الوظيفية اليوم التي تحارب الفضيلة وترعى الرذيلة.
- تختزل سورة التوبة هذا الانتكاس الفطري والأخلاقي بقوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 67].
الخاتمة
إن هذه الصفات التي سطرها القرآن الكريم ليست مجرد رصد لتاريخ مضى، بل هي دليل معرفي متجدد يُعين الأمة في كل زمان ومكان على فرز الصفوف، ومعرفة العدو الداخلي الذي يفت في عضدها. إن وعي الأمة بأساليب النفاق ومظاهره المعاصرة هو الخطوة الأولى والأساسية لتحصين الجبهة الفكرية والعسكرية، وضمان النصر الحتمي على قوى الطغيان وأذنابهم.
شعر: حسن حسين الرصابي
تَبْكِي العُيُونُ عَلَى المَصَائِبِ وَالرَّدَى ... وَهُمُ مَعَ الأَعْدَاءِ فِي أَفْرَاحِ
سَاءَتْهُمُ صَنْعَاءُ لَمَّا أَبْهَرَتْ ... وَاسْتَبْشَرَتْ بِالنَّصْرِ وَالإِصْبَاحِ
وَيُثَبِّطُونَ عَنِ الكِفَاحِ سَفَاهَةً ... كَذِبًا وَمَيْلًا لِلْخَنَا الصَّرَّاحِ
يَا خَيْبَةَ الأَجْسَادِ حِينَ تَرَى بِهَا ... فِعْلَ الخُشُوبِ وَرِعْدَةَ الأَشْبَاحِ
لَا فِيهِمُ صِدْقُ اليَقِينِ إِذَا بَدَا ... يَوْمُ المَلَاحِمِ أَوْ صَلِيلُ سِلَاحِ

حول الموقع

سام برس