بقلم/ يحيى محمد القحطاني
قد يتحوّل مشهدٌ عابر إلى مرآةٍ تختصر واقعًا كاملًا. هذا ما عشته بنفسي في ميدان السبعين، حيث بقيتُ عالقًا لأكثر من عشر دقائق بعد إغلاق الميدان في الاتجاهين بسبب موكب زفافٍ صاخب على وقع الزوامل والبرع. لم يكن ما يحدث مجرد ازدحامٍ عادي، بل مشهدًا مكثفًا يكشف عمق التحوّلات، التي طرأت على سلوكنا العام خلال السنوات الأخيرة.
كان الفرح في الماضي أبسط: مواكب محدودة، أصوات أخف، وانتهاء مبكر للاحتفال. أمّا اليوم، فقد تحوّلت بعض الأعراس إلى عبءٍ عام؛ تُغلق فيه الطرق، وتعلو الألعاب النارية المزعجة، أحيانًا حتى ما بعد منتصف الليل، دون أدنى مراعاة للمرضى أو الأطفال أو كبار السن. لم تعد هذه الأفراح شأنًا خاصًا، بل تجاوزت حدودها لتفرض أذاها على الآخرين.
هذا التحوّل في السلوك لم يقف عند حدود الشارع، بل امتدّ إلى جوهر العلاقات بين الناس. فقد خضت تجربة شخصية في شراكة مع زميل في مكتب هندسي، قامت على الثقة لأكثر من عقدين، ثم تطوّرت عام 2013 إلى وكالة للحج والعمرة، مُنح فيها حق الإدارة، وسُجّلت باسمه وفقًا للاتفاق.
اتفقنا على عدم توزيع الأرباح لمدة خمس سنوات، على أن يُعاد استثمارها كرأس مال إضافي. لكن بعد انقضاء تلك المدة، بدأ يتهرّب من تنفيذ الاتفاق، ويسعى للاستحواذ على الوكالة وعوائدها، مما اضطرني إلى اللجوء للتحكيم. وبعد مداولات طويلة، صدر حكم المُحكّم بتثبيت الملكية مناصفةً بيننا، فقبلته حرصًا على إنهاء النزاع.
ورغم ذلك، لا يزال يماطل في توقيع وتوثيق عقد الشراكة حتى اليوم، على الرغم من نهائية الحكم وقبولنا له. وقد أبلغت المُحكّم مرارًا بضرورة تسليم أصل الحكم ووثيقة التفويض، إلى محكمة الاستئناف لاستكمال إجراءات التنفيذ.
وختامًا، يتبيّن أن ما بين ميدانٍ يُغلقه صخب اللحظة، وعهدٍ يُنقضه هوى المصلحة، تتجلّى صورة خللٍ أعمق يهدّد تماسك المجتمع، ويعكس تراجعًا في احترام النظام، وانكسارًا في الثقة، وتآكلًا في قيمة الكلمة. وحين تُستباح حقوق الناس في الطريق، كما تُستباح العهود في الشراكات، فإن الخسارة لا تقف عند فردٍ أو حادثة، بل تمتد إلى ضمير المجتمع كله، وتُضعف رصيد النظام والأمانة فيه.
والله من وراء القصد.


























