بقلم/ محمود كامل الكومي
لم تعد الصراعات في أفريقيا، وتحديدًا في دولة مثل مالي، مجرد نزاعات داخلية معزولة، بل باتت امتدادًا مباشرًا لصراع دولي معقّد تتقاطع فيه المصالح الغربية والروسية، وتُستخدم فيه أدوات غير تقليدية، على رأسها التنظيمات المسلحةالأرهابية.
الهجوم الذي استهدف العاصمة باماكو—بحسب ما يُتداول من روايات—يعكس نمطًا مألوفًا في إدارة الفوضى: مجموعات صغيرة، تحرّك مرن، اختراق أمني عبر التنكر، طائرات بلقدار التركية.وضربات مركّزة تستهدف مراكز السيادة. هذا السيناريو ليس جديدًا، بل يعيد إلى الأذهان ما جرى في سوريا وليبيا، حين تحولت الأرض إلى ساحة تصفية حسابات دولية عبر وكلاء محليين.
في قلب هذا المشهد، تُطرح أسماء قادة ودول: إيمانويل ماكرون، ورجب طيب أردوغان، إلى جانب اتهامات بدور أمريكي وغربي ضمن إطار أوسع يُنسب إلى حلف شمال الأطلسي. غير أن الإشكالية لا تكمن فقط في الأسماء، بل في النمط: توظيف الفاعلين غير الدوليين—مثل تنظيم القاعدة وداعش—كأدوات ضغط لإعادة تشكيل التوازنات.
هذا النمط، إن صحّ، يقوم على ثلاث ركائز:
أولًا، إعادة تدوير الجماعات المسلحة: حيث تتحول هذه التنظيمات من “عدو معلن” إلى “أداة ضمنية” تُستخدم لإرباك الأنظمة التي خرجت عن خط النفوذ التقليدي.
ثانيًا، إدارة الفوضى بدلًا من الحسم: الهدف ليس السيطرة المباشرة، بل إبقاء الدولة في حالة إنهاك دائم، بما يسمح بإعادة التفاوض على النفوذ.
ثالثًا، مواجهة التمدد الروسي: فالتواجد الروسي المتزايد في أفريقيا، خاصة عبر التعاون العسكري، دفع القوى الغربية إلى البحث عن وسائل غير مباشرة لاستعادة موطئ قدم.
أما تركيا، فهي في هذا السياق لاعب معقّد؛ تتحرك بين طموح جيوسياسي مستقل، ورغبة في توسيع نفوذها عبر أدوات ناعمة وخشنة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والتحالفات المرنة. لكن اختزال دورها في توصيفات حادة قد يُضعف التحليل أكثر مما يقويه، لأن الواقع يُظهر تداخلًا بين المصالح لا تبعية مطلقة.رغم أنها في الاخير عضو فى حلف الناتو وعلى أرضها أكبر قواعدة.
في المقابل، فإن ما جرى—أو ما يُروى عنه—في مالي يعكس حقيقة أساسية: أن أفريقيا لم تعد ساحة خلفية، بل أصبحت جبهة متقدمة في صراع عالمي على النفوذ. وأن ما حدث في سوريا وليبيا ليس استثناءً، بل نموذجًا قابلًا للتكرار.
النتيجة النهائية لا تتحدد فقط بمن يهاجم ومن يدافع، بل بمن ينجح في فرض سرديته: هل هي “حرب على الإرهاب”، أم “إدارة للإرهاب”؟ وهل الصراع من أجل الاستقرار، أم من أجل إعادة توزيع السيطرة؟
في هذا المشهد، تظل الحقيقة الضائعة هي الشعوب،
بعد أن وجدت ضالتها فى حركات تحررية أوقفت النهب الاستعماري الفرنسي وغيره لثرواتها ، لتجد نفسها مرة أخرى وقودًا لصراع لا يُدار فوق أرضها فحسب، بل أيضًا على حساب مستقبلها.
*كاتب ومحامي مصري


























