بقلم / د. حسن حسين محمد الرصابي
*(بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة - 3 مايو)*
يطل علينا الثالث من مايو، "اليوم العالمي لحرية الصحافة"، في وقت تمر فيه البشرية باختبار أخلاقي وقانوني عسير؛ فهذه المناسبة التي أرادتها الأمم المتحدة محطةً للاحتفاء بقيم التعبير وصون الكلمة، تحولت في واقعنا المعاصر إلى مرآة تكشف زيف الشعارات الدولية وازدواجية المعايير. إن حرية الصحافة اليوم لا تُقاس بمدى تعدد الوسائل أو سقف التعبير فحسب، بل تُعمد بالدم في خنادق المواجهة، حيث أصبحت الحقيقة هي العدو الأول لقوى الطغيان، وصار حمل القلم والكاميرا تهمةً تستوجب الاغتيال الممنهج، مما يوجب على الأسرة الصحفية الدولية اليوم تنكيس أعلامها حزناً وفخراً في آن واحد.
*غزة ولبنان: استهداف الشهود لدفن الحقيقة*
لم يعد العمل الصحفي في قطاع غزة أو جنوب لبنان مجرد مهنة لنقل الخبر، بل استحال مهمة فدائية يؤديها فرسان الحقيقة تحت وابل من النيران التي لا تفرق بين طفل وصحفي. إن ما يتعرض له الإعلاميون هناك هو *"إبادة إعلامية"* مكتملة الأركان تهدف إلى حجب الرؤية عن جرائم الحرب الكبرى. ففي غزة وحدها، تجاوزت فاتورة الدم *150 صحفياً وصحفية، في رقم مرعب يتجاوز ضحايا الصحافة في كبرى الحروب العالمية، يرافق ذلك تدمير متعمد لأكثر من **100 مؤسسة إعلامية* لفرض سياسة
التعتيم الشامل وعزل الضحية عن ضمير العالم.
### *اليمن: ذاكرة الدم وتضحيات "التوجيه المعنوي"*
وإذ نتحدث عن استهداف الكلمة، فلا يمكننا تجاوز الجرح اليمني الغائر؛ حيث قدمت الصحافة الوطنية قوافل من الشهداء في سبيل إيصال مظلومية الشعب للعالم وتفنيد أباطيل المعتدين. إننا نستذكر بمرارة وفخر صمود المؤسسات الإعلامية الرسمية التي كانت هدفاً مباشراً للعدوان، وعلى رأسها *صحيفة 26 سبتمبر* و*صحيفة اليمن* التابعتين لدائرة التوجيه المعنوي. لقد ارتقى في سبيل أداء هذا الواجب المقدس *32 صحفياً وصحفية واحدة* من خيرة الكوادر الإعلامية الوطنية. إن استهداف "دائرة التوجيه المعنوي" ومنتسبيها لم يكن مجرد قصف عسكري، بل كان محاولة بائسة لكسر الإرادة المعنوية وتزييف الوعي الجمعي، وهو ما تحطم أمام ثبات من بقي مرابطاً خلف حرفه وجهازه.
### *المسؤولية الجنائية والأخلاقية*
إننا من موقعنا القانوني والأكاديمي، نؤكد أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن الحصانة التي يتمتع بها الصحفي ليست منّة بل حق أصيل كفله القانون الدولي الإنساني. إن تعمد قتل الصحفيين واستهداف مقراتهم هو *"جريمة حرب"* مكتملة الأركان وفقاً لاتفاقيات جنيف، ولعل القرار الأممي رقم *(2222)* الصادر عن مجلس الأمن الدولي يمثل حجةً قانونية دامغة تُلزم المجتمع الدولي بملاحقة الجناة. إن استمرار غياب المحاسبة الدولية هو الذي يمنح قوى الموت "رخصة مفتوحة" للاستمرار في تكميم الأفواه بالنار.
### *خاتمة: الكلمة باقية والسيادة للحق*
ختاماً، إن المعركة التي يخوضها الصحفي اليوم ليست معركة نقل خبر فحسب، بل هي معركة وجود بين ثقافة النور وأجندات الظلام. وفي هذا اليوم العالمي، نبرق بتحية إجلال وإكبار للمرابطين خلف كاميراتهم وأقلامهم الصادحة بالحق في اليمن الصامد، وفلسطين الصابرة، ولبنان الإباء. إن قتل الصحفي قد يغيب الجسد، لكنه يمنح الحقيقة عمراً أطول وأصداءً تعبر القارات. ستظل الكلمة الحرة هي الصخرة التي تتحطم عليها مؤامرات الأجندات الصهيونية، وسيبقى الصحفي هو الشاهد الأخير على انتصار الحق، ولن تزيدنا التضحيات إلا تمسكاً بقدسية الكلمة وموجبات الرسالة الوطنية.
*المجد والخلود لشهداء الحقيقة.. والحرية لفرسان الكلمة.*


























