بقلم/ الدكتور / علي أحمد الديلمي
ظل اليمنيون لعقود يرددون شعارات العيش المشترك والوحدة الاجتماعية وكأن المجتمع اليمني قد تجاوز كل اشكال الانقسام والتمايز غير ان الواقع يكشف صورة اكثر تعقيدا ومرارة حيث تبدو العلاقات بين المكونات الاجتماعية والسياسية قائمة على التوازنات القلقة والخوف المتبادل اكثر من قيامها على الثقة الحقيقية او الشعور الوطني الجامع فالكثير من الناس لم يتعايشوا نتيجة قناعة راسخة بفكرة الوطن الواحد بل بسبب الضرورات التي فرضتها الجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح اليومية.

لقد اخفت الخطابات السياسية والاعلامية لعقود طويلة حجم الاحتقان الكامن داخل المجتمع اليمني وتم تصوير اليمن وكأنه نموذج للانسجام الاجتماعي رغم ان الصراعات القبلية والمناطقية والطائفية ظلت حاضرة في العمق وتظهر مع كل ازمة سياسية او حرب جديدة ومع غياب مشروع وطني عادل يشعر فيه الجميع بالمساواة تحولت فكرة العيش المشترك الى مجرد حالة مؤقتة من ضبط الصراع وليس بناء حقيقيا لهوية وطنية جامعة قادرة على الصمود امام التحديات.

وجاءت الحرب الاخيرة لتكشف بصورة اكثر وضوحا حجم التشققات داخل المجتمع اليمني حيث تحولت البلاد الى ساحة صراع مفتوح تتداخل فيه العوامل الداخلية مع التدخلات الاقليمية والدولية فقد دخلت دول عديدة في مسار الحرب بشكل مباشر او غير مباشر تحت عناوين مختلفة تتعلق بالامن القومي او مواجهة النفوذ الاقليمي او حماية الملاحة الدولية لكن النتيجة كانت تعميق الانقسامات وتوسيع فجوة الكراهية والشك بين اليمنيين كما ساهمت هذه التدخلات في تحويل القوى المحلية الى ادوات مرتبطة بحسابات الخارج اكثر من ارتباطها بمصالح المجتمع اليمني نفسه.

كما ان القوى السياسية والعسكرية اليمنية استثمرت حالة الحرب والدعم الخارجي لتعزيز نفوذها الخاص بدلا من البحث عن مشروع وطني جامع فانتشرت خطابات التحريض والتخوين وتم اعادة احياء الهويات الضيقة على حساب الهوية الوطنية الجامعة واصبح كثير من اليمنيين ينظرون الى بعضهم البعض من خلال الانتماءات السياسية والمناطقية والطائفية التي غذتها سنوات الحرب والدعم الخارجي المتعدد وهو ما اضعف فكرة الدولة الجامعة ورسخ حالة الانقسام الاجتماعي والسياسي بصورة خطيرة.

ان بناء عيش مشترك حقيقي في اليمن لن يتحقق بالشعارات ولا بالخطابات العاطفية بل يحتاج الى مراجعة عميقة لطبيعة الدولة والنظام السياسي والثقافة الاجتماعية السائدة كما يحتاج الى تحرر القرار الوطني من ارتهانات الخارج والتوقف عن استخدام الانقسامات الداخلية كادوات للصراع والنفوذ فالمجتمعات لا تتماسك بالقوة او بالخوف بل بالعدالة والاعتراف المتبادل والشعور الحقيقي بالمواطنة والمساواة وعندما يشعر اليمني بان حقوقه وكرامته مصانة بعيدا عن التمييز والتبعية عندها فقط يمكن الحديث عن وطن حقيقي وعن عيش مشترك يقوم على القناعة لا على الاضطرار.

حول الموقع

سام برس