بقلم / عادل حويس
في صنعاء، لم يعد الصمت رفاهية يمتلكها المتعبون بل غدا حلما بعيد المنال في زحمة الضجيج المستورد الذي يقتات على سكينة الناس.
فبينما تئن المدينة تحت وطأة أزمات معيشية طاحنة وتتلوى جوعا في صراعها مع البقاء يأبى الطماش والألعاب النارية إلا أن يشاركا في إحراق ما تبقى من أعصاب السكان وهدوئهم.
هي مفارقة تدمي القلب أن تجد بلدا يحترق بنار الحاجة والفاقة ثم تأتي هذه الانفجارات العبثية لتصب الزيت على النار محولة ليل المدينة إلى كابوس صاخب لا يرحم مريضا يرجو السكينة ولا طالبا ينشد التركيز ولا كادحا يبحث عن سويعات نوم تعينه على شقاء يومه التالي.
لقد زاد الماء على الطحين رغم أن الطحين نفسه غدا عزيزا والماء صار مطلبا شاقا.
نحن أمام ظاهرة تخطت حدود الاحتفال لتصبح نوعا من الإرهاب الصوتي المنظم.
فبعض هذه المقذوفات الورقية لم تعد مجرد ألعاب عابرة بل غدت تنفجر بقوة تضاهي القنابل لتعيد إلى الأذهان أصداء عشر سنوات من الحرب والنيران التي لم تضع أوزارها بعد في نفوس الناس. كيف لشعب أن يجد متعة في ضجيج يذكر بمآسيه؟ وكيف لتاجر أن ينام قرير العين وهو يعلم أن أرباحه جمعت من قلق الأمهات وفزع الأطفال وارتجاف أجساد المسنين؟
إنها تجارة السموم في ثوب جديد تقودها مافيا لا تبالي إلا بتضخيم أرصدتها حتى وإن كان الثمن هو تحويل المجتمع إلى قطيع فاقد للإدراك يستهلك موارده الشحيحة في شراء الوهم والضجيج.
يقول أحد الكهول بمرارة ساخرة: "على الأقل دعونا نموت بهدوء" وهي جملة تلخص حجم المأساة فالموت بسلام أصبح أقصى طموح الإنسان في مدينة يطاردها الصخب حتى في اللحظات التي يفترض فيها أن يلوذ الناس بالصمت والسكينة.
إن استمرار هذا العبث هو استهتار بكل القيم الإنسانية وإمعان في تدمير الصحة النفسية لمجتمع منهك أصلا مما يستوجب وقفة جادة أمام هذه المافيا التي تبيع الضجيج لمن لا يملكون ثمن الخبز وتسرق النوم من عيون مدينة أضناها السهر والقهر.


























