بقلم/ القاضي د. حسن حسين الرصابي
يحيي العالم والشعوب العربية في منتصف شهر مايو من كل عام ذكرى "النكبة"، التي تصادف يوم غدٍ الجمعة؛ وهي المحطة الأبرز في التاريخ الفلسطيني المعاصر، والتي ترمز إلى التهجير القسري واقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه في عام 1948م. إنها ليست مجرد ذكرى لحدث تاريخي عابر، بل هي جرح ممتد في الوجدان الإنساني، وتذكير مستمر بقضية لم يطوها الزمن رغم مرور العقود، لتكون هذه الذكرى وقفة سنوية للمراجعة والتقييم واستنهاض الوعي الجمعي.
*وفي هذه المناسبة، جادت القريحة بهذه الأبيات:*
*أَجرحُ "النكبةِ" الثاوي استَفاقا .. فألهبَ في المدى حُزناً وشاقا*
*وعمرُ نضالنا يربو صموداً .. يزيدُ الحُرّ صبراً وانبثاقا*
*مفاتيحُ البيوتِ غدت شموعاً .. تُنيرُ لعودةِ الأهلِ الزقاقا*
*فلا التاريخُ يُنسى في نهارٍ .. ولا الحقُّ الأبيُّ غداً يُلاقى*
جذور المأساة وأبعادها
تعد النكبة نقطة تحول جذرية غيرت وجه المنطقة، حيث أسفرت عن:
* *التهجير القسري:* تحول مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى لاجئين في مخيمات الشتات، موزعين بين دول الجوار وبقية أصقاع الأرض.
* *تدمير الهوية المكانية:* مُسحت مئات القرى والبلدات عن الخارطة، في محاولة لطمس المعالم التاريخية والحضارية للأرض الفلسطينية.
* *المعاناة المتجددة:* لم تكن النكبة حدثاً انتهى في 1948، بل هي عملية مستمرة "نكبة متواصلة" تتجلى فصولها اليوم في سياسات الاستيطان، والحصار الجائر، ومحاولات التهجير المتجددة التي نشهدها في غزة والقدس وكافة الأراضي المحتلة، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية.
رمزية "المفتاح" والبعد القانوني لحق العودة
على مر السنين، تحول *"المفتاح"* الذي حمله الأجداد من بيوتهم المهجرة إلى رمز عالمي للصمود و"حق العودة". ومن المنظور القانوني والحقوقي، فإن هذا الحق الذي كفلته المواثيق الدولية، وعلى رأسها القرار الأممي رقم 194، يمثل حقاً شخصياً وجماعياً أصيلاً، *وغير قابل للتصرف*، لا يسقط بالتقادم، ولا يملك أي طرف التنازل عنه أو المساومة عليه، كونه يرتبط بالعدالة الطبيعية والسيادة التاريخية للشعوب على أراضيها.
النكبة في الوعي المعاصر
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، تكتسب ذكرى النكبة أهمية مضاعفة:
1. *إحياء الرواية التاريخية:* مواجهة محاولات تزييف التاريخ من خلال نقل القصص والوثائق للأجيال الصاعدة لضمان حيوية الذاكرة الوطنية.
2. *التضامن الدولي المتصاعد:* نلاحظ تحولاً ملموساً في الرأي العام العالمي، حيث باتت الشعوب أكثر وعياً بأبعاد المأساة، مما يعزز الضغط الأخلاقي والقانوني لإنصاف الضحايا ومحاسبة المنتهكين للحقوق الدولية.
3. *الوحدة الوطنية:* تمثل الذكرى فرصة لتعزيز وحدة الصف والتمسك بالثوابت التي لا تقبل التجزئة.
*"إن نسيان النكبة هو نكبة ثانية، والتمسك بالذاكرة هو أولى خطوات الاسترداد؛ فحق القوة قد يفرض واقعاً مؤقتاً، لكن قوة الحق هي التي تصنع التاريخ الأبدي."*
الخاتمة
إن يوم الخامس عشر من مايو يحلّ كل عام ليؤكد أن الحقوق لا تموت بموت أصحابها، وأن الشعوب التي تؤمن بعدالة قضيتها لا يمكن هزيمتها. ستبقى النكبة شاهداً على صمود شعب واجه المستحيل من أجل الحفاظ على وجوده، وستظل الشعلة التي تؤكد أن الفجر وإن تأخر، فإن البوصلة لا تزال تشير بثبات نحو القدس والحرية والعدالة الشاملة.


























