بقلم /القاضي د. حسن حسين الرصابي
يقول الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله:
> *{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}* [المائدة: 8].
هذه الآية العظيمة ليست مجرد منهج قضائي يُطبق في ردهات المحاكم وحسب، بل هي دستور أخلاقي أشمل ينبغي أن يسكن القلوب والعقول في المعاملات اليومية كافة، وخاصة عند لحظات الخلاف والخصومة.
إن قياس المعادن الحقيقية للرجال لا يظهر في أوقات الوفاق والرضا؛ فالجميع في الرخاء منصفون، والكل في أوقات المصلحة يتحدث بلسان ملائكي، لكن المحك الحقيقي، والاختبار الصارم الذي تتهاوى فيه الأقنعة وتنكشف فيه الضمائر، هو *"موقف الإنسان وقت الخلاف"*.
*عندما يرتفع النبل فوق الخصومة*
من أعظم صور النبل الإنساني أن تملك القدرة على تشويه سمعة خصمك، أو النيل منه بكلمة واحدة في غيبته، فيمنعك دينك، وتزجرك مروءتك وشهامتك عن البغي عليه. ما أسهل أن يخلط الإنسان بين حظوظ نفسه الأنانية وبين شهادة الحق! ولكن ما أشد وقع الحق على النفس عندما ينطق به اللسان لصالح "خصم" لدود!
وفي قصص الحياة الواقعية، نجد نماذج مشرفة لرجالٍ كبار بضمائرهم؛ يفصلون تماماً بين "خلاف مادي أو شخصي عابر" وبين "تقييم قيم الرجال وأخلاقهم". وحين يُستشار أحدهم في زواج أو أمانة تخص خصمه، تراه ينتفض شرفاً، ويضع الخصومة جانباً، ليقول كلمة حق يبتغي بها وجه الله، مدركاً أن قطع الأرزاق أو تخريب البيوت بالباطل هو جرم لا تقبله المروءة ولا تقره الشريعة الغراء.
*الاعتراف بالفضل.. شيمة الأنقياء*
على المقلب الآخر، لا يكتمل مشهد النبل إلا بردة فعل الطرف المقابل؛ فالرجل العاقل اللبيب هو من يحفظ للخصم المنصف فضله. وحين يعلم أن خصمه قد أنصفه في غيبته، ولم يستغل الفرصة للطعن في ظهره، فإن كرامته وعزة نفسه لا تمنعه من الاعتراف بهذا الجميل، بل تدفعه شهامته لتصفير الخلافات، والذهاب إليه حاملاً الود والتقدير، معلناً رغبته في الصلح والرضا بما يحكم به هذا الخصم الشريف.
إن لكلمة الحق والإنصاف مفعول السحر؛ فهي قادرة على هدم جدران البغضاء التي عجزت عن هدمها قاعات المحاكم أو جلسات الصلح التقليدية، ولحظة صدق واحدة كفيلة بإنهاء قطيعة دامت سنوات طوالاً.
*خاتمة*
ما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى إحياء "أدب الخصومة"! أن نختلف في الرأي، أو في تجارة، أو في شأن من شؤون الدنيا، فهذا من طبيعة البشر وجبلّتهم، ولكن النبل كل النبل ألا تدفعنا هذه الخصومة إلى الفجور أو البغي أو الظلم.
وفي هذا المعنى، صاغت القريحة هذه الأبيات نطقاً بالحق وتأكيداً على هذا المنهج:
إِذَا نَطَقَ الخَصِيمُ بِحَقِّ خَصْمٍ .......... فَذَاكَ هُوَ النَّبِيلُ إِذَا اسْتُشِيرَا
وَمَا فِعْلُ الرِّجَالِ بِوَقْتِ سِلْمٍ .......... كَمِثْلِ العَدْلِ إِذْ حَكَمُوا عَسِيرَا
تَجَلَّى مَعْدَنُ الأَقْوَامِ لَمَّا .......... أَمَاطَ الصِّدْقُ عَنْ عَيْنٍ سُتُورَا
فَلَمْ يَمْنَعْهُ شَنَآنٌ عَدَالاً .......... وَلَمْ يَبْغِ الخَدِيعَةَ وَالفُجُورَا
هُوَ النُّبْلُ الَّذِي يُحْيِي نُفُوساً .......... وَيَجْعَلُ لَيْلَ جَفْوَتِهَا سُرُورَا
تحية لكل خصمٍ شريف لم تمنعه عداوته من العدل، وتحية لكل رجلٍ أصيل لم تمنعه عزة نفسه من الاعتراف بالفضل. هؤلاء هم من تبقى بهم المروءة في الأرض، وبمثلهم تُبنى المجتمعات الراشدة وتُصان الحقوق والذمم.


























