سام برس
إشراقة نقدية : قراءة في "ترنيمة الضياء" للشاعر القاضي حسن الرصابي
مقدمة نقديّة
تُعد هذه القصيدة، المستوحاة من ديوان "تراتيل" لمؤلفه العميد القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي، نموذجاً فذاً لـ "شعر الحكمة الوجدانية"؛ حيث يمزج الشاعر فيها باقتدار بين الرؤية الفلسفية العميقة للكون وبين التوجيه الأخلاقي والتربوي السامي.
النص ليس مجرد رصفٍ للكلمات، بل هو دعوة علوية تحث الروح على التسامي والصعود نحو "المدى الشاهق" للفضيلة، مع الحفاظ على ملامسة الواقع الإنساني بلمسات حانية تُعنى بـ "جبر الخواطر" وبذل العطاء الفطري المستدام الذي لا ينتظر مقابلاً.

قَصِيدَة: تَرْنِيمَةُ الضِّيَاءِ
مِنْ دِيوَانِ "تَرْاتِيل"
كُنْ كَالغَمَامِ أَوِ الضِّيَاءِ الشَّارِقِ ... وَارْحَلْ بِدِفْئِكَ فِي المَدَى الشَّاهِقِ
لَيْسَ القَرِيبُ بِمَنْ يَدْنُو بِجِسْمِهِ ... بَلْ مَنْ يَحِلُّ بِخَفْقَةِ الخَافِقِ
فِي العَطَاءِ وَالتَّرَفُّعِ
سَكَنَتْ عُرُوشَ السُّحْبِ شَمْسُ نَهَارِنَا ... لَكِنَّهَا وَهَبَتْ نَدَى الخَالِقِ
نُورٌ يَعُمُّ الأَرْضَ دُونَ مَشَقَّةٍ ... وَيَسِيلُ عَدْلاً فِي الفَضَا المُتَنَاسِقِ
هِيَ هَكَذَا النَّفْسُ الأَبِيَّةُ دَائِبًا ... تَعْلُو، وَتَلْمَسُ كُلَّ قَلْبٍ حَارِقِ
فِي نُبْلِ الحُضُورِ
لَا تَقْتَحِمْ سُورَ القُلُوبِ بَذَاذَةٍ ... بَلْ طُلَّ نَجْمًا مِنْ بَعِيدٍ بَارِقِ
بِدُعَاءِ صِدْقٍ أَوْ بِطِيبِ عِبَارَةٍ ... تَمْحُو الأَسَى عَنْ كُلِّ صَدْرٍ ضَائِقِ
وَإِذَا ادْلَهَمَّ الخَطْبُ كُنْتَ مَنَارَةً ... تَهْدِي الحَيَارَى فِي المَسِيرِ العَائِقِ
فِي جَوْهَرِ الوُدِّ وَالأَثَرِ
لَيْسَتْ مَسَافَاتُ العِبَادِ قَرِيبَةً ... إِلَّا بِدِفْءِ مَشَاعِرٍ وَتَوَافُقِ
فَاجْبُرْ خَوَاطِرَ مَنْ بَكَوْا لِظَلَامِهِمْ ... وَابْذُلْ سَنَاكَ لِكُلِّ حَيٍّ غَارِقِ
وَاصْنَعْ مِنَ المَعْرُوفِ جِسْرَ مَحَبَّةٍ ... تَعْبُرْ بِهِ فَوْقَ المَدَى المُتَفَارِقِ
مَا قِيلَ عَنْ خَيْرٍ سَيَبْقَى خَالِدًا ... كَالمِسْكِ نَفْحُ عَبِيرِهِ المُرَاقِ
وَاتْرُكْ جَمِيلَ الأَثَرِ حَيْثُ حَلَلْتَ فِي ... هَذِي الحَيَاةِ، وَعِشْ بِقَلْبٍ صَادِقِ
كُنْ كَالمَصِيفِ إِذَا تَجَهَّمَ عَالَمٌ ... وَارْسُمْ حَيَاةً فَوْقَ ثَغْرٍ وَاثِقِ

• التحليل الأدبي والجمالي
- البعد الرمزي الكوني: اتكأ الشاعر على ترسانة من الرموز الطبيعية المضيئة (الغمام، الشمس، الضياء، النجم) ليرمز بها إلى الإنسان المعطاء. فالشمس برغم علوها الشاهق وترفعها في عروش السحب، إلا أنها لا تحبس نورها، بل تمنح الدفء والنماء للجميع؛ وهو إسقاط ذكي يجمع بين عزة النفس والترفع، وبين التواضع وبذل المعروف.
- فلسفة القرب والمسافة: يقدم الشاعر تعريفاً تجديدياً لمفهوم القرب والبعد في العلاقات الإنسانية. القرب في رؤيته ليس هندسياً أو فيزيائياً محصوراً بالجسد، بل هو استيطان روحي في "خفقة الخافق". فالمسافات الحقيقية بين البشر تُطوى وتُقاس بمدى توافق المشاعر وفيض الدفء الإنساني لا بحدود المكان.

حركية الصورة الجمالية: برع الشاعر في استخدام الأفعال المضارعة ذات الطابع الحركي المستمر مثل (يسيل، يعم، تلمس، تمحو، تعبر). هذا الاختيار اللغوي جاء ليدل على ديمومة عمل الخير، واستمرارية فيض العطاء في النفس الأبية الصادقة التي لا تتوقف عن إشعاع الإيجابية في محيطها.

• النقد الموضوعي والفني الموسع
- البنية الموسيقية والإيقاع:
بُنيت القصيدة على (بحر الكامل) ومفتاحه النغمي:
وهو بحر يتميز بالحيوية، والاتساع، والقدرة العالية على التلوين النغمي، مما أتاح للشاعر بسط أفكاره الحكمية وتأملاته الوجدانية دون تكلّف. وجاءت القافية المرتكزة على (القاف المكسورة المتلوة بمد الروي المحذوف لضرورة الوصل أو الساكن المقيد) لتعطي إيقاعاً رزيناً ووقوراً، يشبه إلى حد بعيد طرقات القلب الهادئة والواثقة، وتناسب هيبة النص ووقار قائلها.
- الهندسة اللغوية والأسلوب:
امتازت لغة الشاعر بالرصانة الكلاسيكية الجزلة الموروثة عن عيون الشعر العربي، لكنها بُعثت هنا بمسحة من العذوبة والسهولة المعاصرة. لم يلجأ الشاعر إلى غريب اللفظ أو المقعّر من الكلام، بل طوّع المفردات المألوفة السلسة لخدمة أعمق المعاني الإنسانية، مما جعل النص قريباً من وجدان القارئ.
- الأبعاد التربوية والتوجيه الأخلاقي:
يتجلى في النص بوضوح الخلفية الفكرية والدينية والقيادية للمؤلف؛ فالقصيدة تحمل رسالة تربوية واضحة في "جبر الخواطر" ونبل التعامل الإنساني. إن الشاعر ينهى بحزم عن "اقتحام" خصوصيات القلوب بجفاء وبذاذة مسلك، ويدعو بالمقابل إلى إشراق النبل عبر "طيب العبارة" ودعاء الصدق، ليكون الإنسان بمثابة منارة هادئة تمحو ظلمات الحيرة والأزمات.

- الخلاصة النوعية
تُعد قصيدة "ترنيمة الضياء" مقطوعة أدبية رفيعة توازن بعبقرية شديدة بين
جمال المبنى وشرف المعنى. لقد نجح الشاعر حسن حسين الرصابي في صياغة "خارطة طريق" أخلاقية وسلوكية للنفس البشرية، لتكون بمثابة بلسم شافي ومنارة هادية في أوقات الأزمات والخطوب، ومصدراً ملهماً للدفء والأمل في عالم قد يتجهم أحياناً. إنها باختصار: قصيدة "الإنسان" في أبهى صور تجليه، ترفعه، وعطائه.

حول الموقع

سام برس