سام برس
الهجرة النبوية الشريفة: معالم الصمود وبناء الدولة
- مقدمة:
تظل الهجرة النبوية المباركة حدثاً محورياً في تاريخ البشرية، ومَعْلماً فارقاً تحولت فيه الدعوة من مرحلة الصبر والمواجهة الإيديولوجية في مكة، إلى مرحلة البناء المؤسسي والدولتي في المدينة المنورة. وفي هذه القصيدة المستوحاة من ديوان "تراتيل" الصادر في نفس العام 2020م، يمتزج الجانب الروحي السامي بالبعد الواقعي، حيث يُستلهم القاضي حسن الرصابي من جراح الهجرة وصبر المصطفى ﷺ معاني الثبات والصمود المعاصر، بروحٍ تقتفي شموخ "الهمزية" لأمير الشعراء أحمد شوقي، وعلى بحر البسيط الذي يتسع لجزالة اللفظ وعمق المعنى.
- قـصـيـدة الهجرة .. معالم الصمود..
شعر: العميد القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي
o من ديوان: تراتيل (المطبوع عام 2020م)
• أشواق الهجرة وظلمات الحصار
1. يَا هِجْرَةَ الْمُصْطَفَى وَالنَّصْرُ مَوْعِدُهَا ... طَافَتْ بِقَلْبِي أَهَازِيجٌ مِنَ الْقِيَمِ
2. رَحِيلُ نُورٍ أَضَاءَ الْكَوْنَ مَشْرِقُهُ ... لَمَّا تَحَزَّبَتِ الأَوْثَانُ فِي الْحَرَمِ
3. سَرَى بِمَكَّةَ لَيْلٌ لَا صَبَاحَ لَهُ ... حَتَّى انْجَلَى الْهَمُّ عَنْ بَدْرٍ مِنَ الْعِظَمِ
4. مِنْ مَكَّةَ النُّورِ حِينَ الضِّيقُ حَاصَرَهَا ... سَارَ النَّبِيُّ بِأَمْرِ اللهِ فِي الظُّلَمِ
5. لَمْ يَخْشَ كَيْداً وَجِبْرِيلٌ يُطَمْئِنُهُ ... وَالْوَحْيُ يَكْلَؤُهُ فِي لُجَّةِ الْبُهَمِ
- في الغار ومعجزات الرعاية الإلهية
6. وَصَاحِبُ الْغَارِ صِدِّيقٌ يَلُوذُ بِهِ ... خَوْفاً عَلَى الدِّينِ لَا خَوْفاً عَلَى النَّسَمِ
7. يَقُولُ: "يَا سَيِّدِي القَوْمُ قَدْ قَرُبُوا" ... فَقَالَ: "تَاللَّهِ مَا شَكِّي بِمُنْتَقِمِ"
8. "مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ وَالرَّحْمَنُ ثَالِثُهمْ؟" ... حِصْنٌ حَصِينٌ تَهَاوَى عِنْدَهُ رَجَمِي
9. نَسْجُ الْعَنَاكِبِ قَدْ أَعْمَى بَصَائِرَهُمْ ... وَالْوُرْقُ جَاثِمَةٌ فِي أَصْدَقِ التُّهَمِ
10. مَعَاجِزُ اللهِ جَلَّتْ أَنْ يُحِيطَ بِهَا ... عَقْلٌ بَلِيدٌ مَشَى فِي رِبْقَةِ الصَّنَمِ
- طريق المدينة وولادة دولة الحق
11. سَارَا وَلِلأُفُقِ الرَّحْبِ ارْتِحَالُهُمَا ... يَطْوِيَانِ الْبِيدَ فِي سِرٍّ وَفِي كَتَمِ
12. سُرَاقَةُ الْخَيْلِ سَاخَتْ سَاقُ مَهْرَتِهِ ... فَآبَ يَرْجُو أَمَاناً صِيغَ بِالْكَرَمِ
13. إِلَى الْمَدِينَةِ حَيْثُ الْعِزُّ مُنْطَلَقٌ ... لِدَوْلَةِ الْحَقِّ تَحْمِي طَاهِرَ الذِّمَمِ
14. طَابَتْ يَثْرِبُ بِالْهَادِي وَمَقْدَمِهِ ... وَأَشْرَقَ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ بِالنِّعَمِ
15. تآخَتِ الرُّوحُ وَالإِيمَانُ أَلَّفَهَا ... فَلَا نِزَاعَ وَلَا جَاهِلِيَّةَ فِي الأُمَمِ
- عِبَر الهجرة وإسقاطاتها على الصمود اليمني
16. يَا هِجْرَةَ الْمُصْطَفَى جَدَّدْتِ مَلْحَمَةً ... تُعَلِّمُ النَّاسَ كَيْفَ الصَّبْرُ فِي الأَزَمِ
17. لَيْسَ الْخُرُوجُ فِرَاراً مِنْ مُقَارَعَةٍ ... بَلْ بَعْثُ فَجْرٍ جَدِيدٍ صَادِقِ الْقَسَمِ
18. وَالْيَوْمَ فَوْقَ رُبَى الإِيمَانِ يَمَنُنَا ... يَجْنِي الثَّبَاتَ بِرَغْمِ الْجُرْحِ وَالأَلَمِ
19. نَسِيرُ نَقْتَفِيَ الْهَادِي وَنَهْجَتَهُ ... وَنَدْحَرُ الْبَغْيَ بِالتَّصْمِيمِ وَالْهِمَمِ
20. يَمَنُ الْهُدَى وَرِجَالُ اللهِ مَعْقِلُهَا ... سِيرُوا عَلَى النَّهْجِ لَا تَخْشَوْا مِنَ الْوَخَمِ
- سنن الابتلاء وعاقبة التمكين
21. حِصَارُ مَكَّةَ مَاضٍ فِي تَمَطِّيهِ ... لَكِنَّ عُقْبَاهُ نَصْرٌ لَاحَ فِي الْقِمَمِ
22. نَحْنُ الْأُلَى شَرِبُوا الإِيمَانَ مَحْضَنَةً ... وَحِكْمَةُ الشَّعْبِ تَفْرِي غَايَةَ الْهِمَمِ
23. فَالْعُسْرُ يَعْقُبُهُ يُسْرٌ يُبَشِّرُنَا ... وَالنَّصْرُ آتٍ لِشَعْبٍ شَامِخِ الْقَمَمِ
24. مَهْمَا تَكَالَبَتِ الدُّنْيَا بِقُدْرَتِهَا ... فَإِنَّ قُدْرَةَ رَبِّ الْعَرْشِ لَمْ تُضَمِ
25. فَالْمَجْدُ لَا يُبْتَنَى إِلَّا عَلَى جَسَدٍ ... يَأْبَى الدَّنِيَّةَ أَوْ يَرْضَى بِهَونِ دَمِ
- الاستشفاع والتسليم والختام
26. يَا سَيِّدَ الرُّسْلِ يَا نُوراً نَلُوذُ بِهِ ... إِذَا السَّمَاءُ غَدَتْ مَمْزُوجَةً بِدَمِ
27. أَنْتَ الشَّفِيعُ لَنَا فِي يَوْمِ مَحْشَرِنَا ... إِذَا الْمُلُوكُ جَثَتْ خَوْفاً مِنَ النِّقَمِ
28. صَلَّى عَلَيْكَ إِلَهُ الْعَرْشِ مَا صَدَحَتْ ... نَفْسٌ بِذِكْرِكَ مَوْصُولاً بِلَا سَأَمِ
29. وَآلِ بَيْتِكَ وَالأَصْحَابِ مَا هَتَفَتْ ... حَمَائِمُ الأَيْكِ فِي الرَّوْضَاتِ بِالنِّعَمِ
30. وَمَا جَرَى قَلَمٌ بِالْحَقِّ يَكْتُبُهُ ... يَؤُمُّ هَدْيَكَ فِي عُرْبٍ وَفِي عَجَمِ
- التحليل الفني والموضوعي للقصيدة
- البناء الهيكلي والسردي: تميزت القصيدة بالانتقال الموضوعي السلس من السرد التاريخي إلى الإسقاط المعاصر. بدأت برصد "الحالة المكية" حيث الضيق والظلام وحصار قريش، ثم ثنّت بالحدث المحوري وهو "معجزة الغار" وعمق الصداقة والتوكل الإيماني، ثم انتقلت إلى "التحول الجيوسياسي" بدخول المدينة المنورة وتأسيس مجتمع الإخاء، وصولاً إلى توظيف هذه السيرة كطاقة دافعة لثبات الشعب اليمني وصموده في وجه التحديات المعاصرة.
- الميزة النقدية والخصيصة الأدبية للشاعر: تمثلت أبرز خصال التميز والنجاح لدى الشاعر القاضي الرصابي في هذا النص في "القدرة الاستثنائية الفذة على المزاوجة والربط المحكم بين المتن السردي التاريخي والموقف الحركي المعاصر". لقد نجح الشاعر بامتياز في تجاوز النمط التقليدي للشعر المناسباتي؛ فلم يقف عند حدود الوصف الساكن للحدث التاريخي، بل طوّع النص وحوّله إلى "وثيقة استراتيجية" ومرجعية حية تمنح المتلقي طاقة معنوية، وتسقط سنن التمكين الإلهي على واقع الثبات اليمني بعبقرية لافتة.
- المزاوجة الفكرية: نجح النص في المزج بين الالتزام الديني والوعي الوطني والاستراتيجي. فالقصيدة لا تقف عند حدود البكاء على الأطلال أو التغني بالماضي، بل تحول ذكرى الهجرة إلى وثيقة عمل تؤكد أن المحن تعقبها المنح، وأن الدولة تُبنى على القيم والتلاحم.
- القاموس اللغوي: تنوع القاموس بين الألفاظ النورانية الروحية (النور، الهدى، الرَّحمن، الإيمان) والألفاظ المعبرة عن الصرامة والقوة (ندحر، البغي، التصميم، شامخ القدم، تفري)، مما أعطى النص جرسًا حماسيًا يلائم طابع المحاضرات والخطاب الديني التوجيهي والوطني المعاصر.
- النقد البلاغي والجمالي
- المحاكاة والمعارضة الأدبية: النص يعارض بذكاء وحرفية الأجواء الشوقية (نسبة لأحمد شوقي) من حيث جزالة اللفظ واختيار بحر البسيط (مُسْتَفْعِلُنْ فاعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَعِلُنْ)، الذي يمنح الشاعر مساحة مريحة لبسط الفكرة التاريخية دون إخلال بالوزن.
- الصورة البيانية والتشخيص:
- الاستعارة المكنية: في قوله "حِصَارُ مَكَّةَ مَاضٍ فِي تَمَطِّيهِ"، استعارة مكنية رائعة تشبه الحصار بكائن يتمدد في غطرسة وثقة، لتصوير شدة البغي ثم انكساره.
- المجاز والكناية: في قوله "شَرِبُوا الإِيمَانَ مَحْضَنَةً"، كناية عن رسوخ العقيدة في وجدان هذا الشعب منذ الصغر والنشأة.
- المطابقة والمقابلة المعنوية: تكرار المقابلة بين (الضيق/العز) و(العُسر/اليُسر) و(الظُلَم/النور)، وهي ثنائيات تدعم البناء الفلسفي للقصيدة القائم على حتمية انتصار الحق مهما طال ليل الباطل.
- الخلاصة
تُعد هذه القصيدة عملاً أدبياً ناضجاً يجمع بين رصانة الشعر الكلاسيكي والوعي بالواقع المعاش. لقد استطاع الشاعر حسن الرصابي في قصيدته هذه، المأخوذة من ديوان "تراتيل" الصادر عام 2020م، أن يُخرج الهجرة النبوية من إطارها السردي الجاف إلى فضاء "العِبرة الحركية والمستقبلية" التي تحث على التلاحم، وبناء دولة الكفاءات والذمم الطاهرة، والصمود أمام الخطوب؛ لتقف الأبيات الثلاثون كبنيان مرصوص يربط ماضي الأمة المجيد بحاضرها المقاوم الطامح نحو النصر.
12 فبراير 2020م وادي الرون
عزلة الربيع مديرية حيس محافظة الحديدة.


























