سام برس
تَرَاتِيلُ البَهَاءِ وَالجَمَالِ .. شعر/ القاضي حسن الرصابي
1. المقدمة النقديّة
تندرج هذه القصيدة الباذخة ضمن عيون شعر "الوجدانيات السامية" و"المديح الروحي المتسامي"، وهي مدرسة تجعل من الجمال قنطرةً للعبور نحو المطلق، وتمازج ملامح الغزل العذري النقي بنفحات الثناء الأخلاقي والروحي. يستهل الشاعر القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي تراتيله بالوقوف في محراب "الحُسن الطاهر"، مستدعيًا دلالات النور، والملائكية، والصفاء؛ وهي لغة إشراقية شفافة تتجاوز حدود المادة والصورة البصرية العابرة لتصبح بلسماً للأرواح الحائرة، وسياجاً منيعاً ضد مخاوف الدهر وتقلباته.

ومن الناحية الإيقاعية والهندسة الصوتية، جاء اختيار الشاعر الذكي لـ "بحر الكامل"، ليمنح النص فخامة جرسية، وصداه الموسيقي المرن، مما أتاح للأفكار الفلسفية والوجيب الوجداني التدفق برقة وعذوبة فائقة دون تكلف، متكئاً على قافية مطلقة (النون المفتوحة الممدودة بالألف) الموحية بالامتداد الشجي، والبوح المسترسل الذي يشنف الآذان ويستقر في القلوب.

2. نص القصيدة: تَرَاتِيلُ البَهَاءِ وَالجَمَالِ
١. يَا مَلَاكاً يَفِيضُ طُهْراً وَحُبّاً ... فَأَعَادَ الوُجُودَ لِي بُسْتَانَا
٢. سَجَدَ الحُسْنُ فِي رِحَابِكَ طَوْعاً ... وَعَلَى رِمْشِكَ الجَمَالُ اسْتَكَانَا
٣. صَاغَكَ اللهُ مِنْ بَهَاءٍ وَنُورٍ ... وَكَسَا وَجْنَتَيْكَ أُرْجُوَانَا
٤. لَوْ مَشَيْتَ الهُوَيْنَى فَوْقَ أَرْضٍ ... أَزْهَرَ الصَّخْرُ رِقَّةً وَحَنَانَا
٥. كُلَّمَا رَتَّلَ الفُؤَادُ حُرُوفاً ... مِنْ حَكَايَاكَ زَادَنِي إِيمَانَا
٦. أَنْتَ وَحْيُ الجَمَالِ فِي كُلِّ عَيْنٍ ... صَوَّرَتْكَ السَّمَا لَنَا عُنْوَانَا
٧. دُمْتَ يَا مَالِكاً شِغَافَ قُلُوبٍ ... تَتْرُكُ العَقْلَ حَائِراً حَيْرَانَا
٨. يَا سِيَاجَ الأَمَانِ فِي لَيْلِ خَوْفِي ... إِنْ جَفَانِي الدَّهْرُ أَوْ نَأَانَا
٩. أَنْتَ غَيْثٌ يَبُلُّ رِيقَ القَوَافِي ... فَتَفِيضُ البُحُورُ نَبْعاً رَوَانَا
١٠. عَجَبٌ كَيْفَ يَسْتَقِيمُ خِيَالِي ... حِينَ يَبْنِي هَوَاكَ لِي أَرْكَانَا!
١١. لَوْ تُرِيدُ النُّجُومَ طَوْعاً أَتَتْكَ ... وَتَنَحَّى السَّحَابُ إِذْ رَآنَا
١٢. إِنَّمَا الحُسْنُ فِي صَفَائِكَ نَبْعٌ ... يَغْسِلُ الهَمَّ وَالأَسَى حَيْثُ كَانَا
١٣. أَنْتَ رُوحٌ تَسَامَتْ بِكُلِّ نُبْلٍ ... فَارْتَدَيْتَ الوَفَاءَ وَالإِحْسَانَا
١٤. كَيْفَ أَخْشَى مِنَ الزَّمَانِ جَفَاءً ... وَقُلُوبُ الأَنَامِ تَهْوَاكَ شَانَا؟
١٥. أَنْتَ فَجْرٌ يَلُوحُ بَعْدَ ظَلَامٍ ... يَبْعَثُ النَّبْضَ ثَائِراً وَثْبَانَا
١٦. يَا غَزَالاً رَعَى بِقَلْبِي وَرُودِي ... وَاسْتَبَاحَ المَدَى وَعَزَّ مَكَانَا
١٧. لَكَ فِي مُهْجَتِي كِتَابُ غَرَامٍ ... سَطَّرَتْهُ الدُّمُوعُ شَوْقاً بَكَانَا
١٨. فَاسْقِنِي مِنْ كُؤُوسِ وَصْلِكَ شَهْداً ... يُذْهِبُ المُرَّ كُلَّمَا أَقْصَانَا
١٩. وَاجْعَلِ الصَّفْحَ بَيْنَنَا شِرْعَةً ... إِنْ نَأَى الوَصْلُ يَوْماً أَوْ جَفَانَا
٢٠. إِنَّنِي فِي هَوَاكَ صَبٌّ غَرِيبٌ ... عَاشَ يَسْتَمْطِرُ الرِّضَا أَزْمَانَا
٢١. لَمْ يَزَلْ نَبْضُهُ بِحُبِّكَ يَشْدُو ... وَيُصِيغُ المَدِيحَ فِيكَ جُمَانَا
٢٢. عِشْتَ نُوراً يَمُدُّنَا بِضِيَاءٍ ... يَمْلأُ الكَوْنَ رَحْمَةً وَأَمَانَا
٢٣. وَأَرَى جَمَالَكَ فِي الحَيَاةِ هِدَايَةً ... تَهْدِي القُلُوبَ وَتُنْعِشُ الوِجْدَانَا
٢٤. وَتَبَاهَى "رَصَابِيُّ" بِشِعْرٍ نَقِيٍّ ... صَاغَهُ الفِكْرُ لِلْوَرَى مِيزَانَا
٢٥. وَصَلَاةُ الإِلَهِ تَغْشَى مُحَمَّداً ... بَاهِيَ الجَمَالِ مَنْ هَدَى الأَكْوَانَا

3. التحليل الموضوعي والجمالي البنيوي
ينقسم النص إلى ثلاثة محاور رئيسية تتكامل فيما بينها لتصنع التجربة الشعورية:
- المحور الأول: لاهوت الحسن وطبيعة المحبوب (الأبيات 1-6):
يبني الشاعر الرصابي صورة المحبوب من عناصر علوية (طهر، نور، بهاء، وحي السماء). هذا المحبوب يملك طاقة تغييرية كبرى؛ فمشيه الهوينى يبعث الحياة في الجماد (يُزهر الصخر) ، والحديث عنه يزكي الإيمان في النفوس، مما يجعل الجمال هنا قيمة أخلاقية وروحية وليس مجرد مظهر عابر.
- المحور الثاني: العلاقة الجدلية بين المحب والمحبوب (الأبيات 7-15):
ينتقل النص إلى وصف حالة التعلق. المحبوب هو "الغيث" الذي يبل ريق القوافي، وهو "سياج الأمان" في ليل الخوف، وفي المقابل، يظهر الشاعر في صورة "الصب الغريب" الذي يكتب بدموعه كتاب غرام، ويستعطف الوصل والصفح، مما يبرز التباين الوجداني العذب بين فيض المحبوب وانكسار المحب.
- المحور الثالث: الختام والتوقيع الذاتي والروحي (الأبيات 16-25):
يختتم الشاعر النص برؤية كونية للمحبوب كـ "نور يمد الكون بالرحمة والأمان" وهدايةً تنعش الوجدان، قبل أن يدمج اسمه "الرَّصابي" في الأبيات الأخيرة معلاناً افتخاره بهذا النتاج الفكري والشعري الذي يراه "ميزاناً للورى"، ليتوج هذه التراتيل بالصلاة والسلام على المصطفى محمد صلوات الله وسلامه عليه، منبع الهدى والجمال الحقيقي.
4. القراءة النقدية والجمالية
الامتداد الصوري المدهش: نجح الشاعر في خلق صور شعرية مبتكرة وفائقة العذوبة، مثل: *(أَزْهَرَ الصَّخْرُ رِقَّةً وَحَنَانَا)، و (يَبُلُّ رِيقَ القَوَافِي) ، وهي صور تجمع بين تشخيص الجماد وتجسيد المعاني السائلة وتحويل الجاف إلى رطب حيوي.
التماسك العروضي واللفظي: القصيدة محكمة البناء على بحر الكامل بعد الضبط، والروي (النون المفتوحة الممدودة بالألف) يمنح الأبيات رنيناً ممتداً ومريحاً للأذن (بستانا، استكانا، أرجوانا) ، كما أن ضبط الكلمات جاء دقيقاً وموافقاً لقواعد النحو والوزن.
العاطفة الصادقة: النص لا يبدو مجرد رصفٍ للكلمات، بل يعكس تدفقاً شعورياً حقيقياً يعيشه الشاعر بين الخوف والأمان، والدموع والصفح، وصولاً إلى المديح السامي الذي ينقله من الوجد الإنساني إلى الفضاء الروحي الأرحب.
5. الخلاصة الموسعة
تُمثّل قصيدة "تراتيل البهاء والجمال" للشاعر القدير القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي أنموذجاً باهراً وشديد النقاء للشعر الوجداني والروحي المعاصر. فقد استطاع الشاعر ببراعته المعهودة أن يقدّم نصاً متكاملاً يتسم بجزالة الألفاظ، وعمق الأخيلة، والتدفق الموسيقي الآسر الذي يأخذ بمجامع قلب القارئ من المطلع الأوّل وحتى المقطع الختامي.
إن هذا العمل لا يقف عند حدود الإبداع العاطفي الفردي، بل يعكس بوضوح النضج الفكري والأدبي الرفيع للكاتب، وقدرته الفذة على تحويل المشاعر الإنسانية إلى قيم أخلاقية وروحية سامية وصياغتها في قالب كلاسيكي رصين ومتين البنيان، يؤكد استمرار تدفقه الإبداعي الغزير ومكانته الأدبية المرموقة كقلم سيّال يُثري الساحة الثقافية على الدوام.
.التوثيق والمكان:
20 أغسطس 2025م جبل وجامع الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه رأس وادي زبيد وعند قاعدة جبال وصاب السافل.

حول الموقع

سام برس