سام برس
بقلم وقريحة/ القاضي. حسن حسين الرصابي
يقترب منا يوم عاشوراء، العاشر من شهر محرم الحرام، ليحمل معه في وجدان المسلمين أبعاداً إيمانية وتاريخية تلتقي فيها العبادة بالدمعة، والامتثال بالذكرى. هو اليوم الذي نجّى الله فيه موسى وقومه، فصامه النبي محمد ﷺ شكراً لله، ورسم لأمته مَعْلماً تعبّدياً متميزاً؛ حيث رُوي عنه ﷺ أنه قال: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ»، وفي رواية: «لئن أعاشني الله للعام القادم أو المقبل لأصومن اليوم التاسع والعاشر»؛ مخالفةً لأهل الكتاب وتأكيداً على خصوصية هذه الأمة الاستقلالية.
لكن هذا اليوم، وبمرور الأيام، لم يعد مجرد محطة للصيام والابتهال فحسب، بل تحوّل في العام الحادي والستين للهجرة إلى جرحٍ غائر في جسد التاريخ الإسلامي، حين وقعت فاجعة كربلاء العظيمة، التي استشهد فيها سبط الرسول وريحانته، وسيد شباب أهل الجنة، الإمام الحسين بن علي عليهما السلام.
- معركة كربلاء.. معركة غير متكافئة
حين نتكلم عن فاجعة كربلاء، فإننا لا نتحدث من منطلق تعصبٍ أو تشيع، بل نسرد حقائق تاريخية وثقها المنصفون من كل حدب وصوب. إنها قصة ظلم صارخ وقع على آل بيت النبوة في معركة غابت عنها كل قيم التكافؤ الإنساني والعسكري، والأخلاقي.
أقبل الحسين في ثلة مؤمنة من أهل بيته وأصحابه لا يتجاوزون العشرات، ليواجهوا جيشاً جراراً مدججاً بالسلاح. هناك، على شاطئ الفرات، مُنع التراجع وعُزل الحسين ومن معه عن الماء حتى تملّك منهم العطش، في مفارقة عجيبة جسدتها لوعات القوافي، حيث نادى لسان الحال والمآل بتلك الأبيات الخالدة وما يُحاكي شجونها:
- جَاءُوا بِرَأْسِكَ يَا ابْنَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ .... مُتَزَمِّلًا بِدِمَائِهِ تَزْمِيلَا
- فَكَأَنَّمَا بِكَ يَا ابْنَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ .... قَتَلُوا جِهَارًا عَامِدِينَ رَسُولَا
- قَتَلُوكَ عَطْشَانًا وَلَمْ يَتَرَقَّبُوا .... فِي قَتْلِكَ التَّأْوِيلَ وَالتَّنْزِيلَا
- يُكَبِّرُونَ بِأَنْ قُتِلْتَ وَإِنَّمَا .... قَتَلُوا بِكَ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَا
- يا كربلاءُ سُقِيتِ صَوْبَ غَمامَةٍ ... مَا كَانَ ذنبُ سَليلِ آلِ نَبينا؟
- باعُوا النُّفوسَ بِعرْصَةِ الدُّنْيا فَمَا ... رَعَوُا الذِّمامَ وَلا الوفاءَ لِدِينَا
- لَهْفي على الظَّامِي الهَصورِ بِكربلاء ... لَمْ يَسْقِهِ الجَانُونَ قَطْرَةَ مَاءِ!
- بَكَتِ السَّمَاءُ دَماً عَلَيْهِ وَأَعْوَلَت .... حُزْناً لَهُ أَطْهَارُ آلِ عَبَاءِ
لقد تحققت في كربلاء نبوءة المصطفى ﷺ الحزينة، حين قال: «جاءني جبريل بتربة حمراء من شاطئ الفرات وأخبرني بأن الحسين سيقتل هنالك»، ووقعت الواقعة، وقُتل الحسين مظلوماً محتسباً، يدافع عن مبادئ الحق والعدالة ومواجهة الظلم.
- بطلة ما بعد كربلاء: السيدة زينب (عقيلة بني هاشم)
إذا كان الحسين قد قاد معركة السيف والدم واستشهد، فإن هناك معركة أخرى قادتها امرأة هزت عروش الظالمين بلسانها وفصاحتها وصبرها؛ إنها السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب عليهما السلام.
عاشت السيدة زينب في كربلاء أهوالاً تشيب لها الولدان؛ رأت إخوتها وأبناءها يتساقطون صرعى تلو الصرع، وشهدت مصرع أخيها الحسين وتوزيع أشلائه، وحرق الخيام، وتشتت الأطفال والنساء، ورغم هذا الثكل الكوني الذي أحاط بها، لم تنهار، بل تحولت إلى درع حامٍ لما تبقى من العترة الطاهرة، وعلى رأسهم الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) الذي كان مريضاً.
- مواقف وإسهاب: جبل الصبر في مواجهة الطغاة
لم تنتهِ مهمة السيدة زينب بانتهاء المعركة، بل بدأت رحلة الأسر الشاقة من كربلاء إلى الكوفة ثم إلى الشام، وتحولت في كل محطة إلى صوت صارخ يوجع ضمير القتلة، ينشد القلم في بيان حالها وصبرها:
- وقفتُ بطودِ الصبرِ زينبُ تنظرُ .... ودمُ الشهيدِ على الثرى يتفجَّرُ
- عصفتْ بها الأهوالُ في خطراتِها .... لم تنكسِرْ، بَلْ بأسُها يتجَبَّرُ
- سُلِبَتْ حرائِرُها وحُرِّقَ خِدرُها .... لكنّها فوقَ النَّوائبِ تَكبرُ
- خَطَبَتْ فمَادَ العرشُ من كلماتِها .... فصيحةٌ، والحقُّ فيها يَزأرُ
- قُيِّدْنَ قَسْراً، والطغاةُ بجهلِهمْ .... أسرى بليغِ بيانِها إذ يُقْهَروا
- ١. في مجلس عبيد الله بن زياد (الكوفة):
دخلت السيدة زينب مجلس ابن زياد متخفية وبملابس رثة لكن بكبرياء هاشمي لا ينكسر. وعندما أراد ابن زياد الشماتة بها وبأهل بيتها قائلًا: "الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم"، ردت عليه برباطة جأش وثقة مطلقة بالله، قائلة كلمتها التاريخية التي خلدها الدهر:
«الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد ﷺ وطهرنا من الرجس تطهيراً، إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر، وهو غيرنا...»
ولما سألها متودداً بالشماتة: "كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟"، أجابت بعزة الإيمان المزلزلة:
«ما رأيتُ إلا جميلاً! هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ، ثكلتك أمك يا بن مرجانة!»
- ٢. في مجلس يزيد بن معاوية (الشام):
أُدخلت السيدة زينب والسبايا في مجلس يزيد بدمشق، وكان الرأس الشريف بين يديه ينكت ثناياه بقضيب. هنا، لم تمنعها حبال الأسر ولا مرارة الفقد من أن تخطب خطبة عصماء تدرّس في بلاغة البيان وشجاعة الموقف.
وقفت الشامخة بنت علي لتخاطب يزيد بكل قسوة الحق في وجه الباطل، قائلة:
«أظننت يا يزيد -حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء, فأصبحنا نساق كما تساق الإماء- أن بنا على الله هواناً وبك عليه كرامة؟!.. أَمِنَ الْعَدْلِ يَا ابْنَ الطُّلَقَاءِ تَخْدِيرُكَ حَرَائِرَكَ وَإِمَاءَكَ وَسَوْقُكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللهِ سَبَايَا؟!»
ثم ختمت كلمتها بوعيد أثبتت الأيام صدقه وتلاشى معه ملك بني أمية، حين قالت:
«فَكِدْ كَيْدَكَ، وَاسْعَ سَعْيَكَ، وَنَاصِبْ جُهْدَكَ، فَوَاللهِ لَا تَمْحُو ذِكْرَنَا، وَلَا تُمِيتُ وَحْيَنَا... وَهَلْ رَأْيُكَ إِلَّا فَنَدٌ، وَأَيَّامُكَ إِلَّا عَدَدٌ، وَجَمْعُكَ إِلَّا بَدَدٌ، يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي: أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ»
- خاتمةٌ نازفة.. لوحة الشجن الخالدة
يا ليومِ عاشوراء! أيُّ شجنٍ يُخيم على الكيانِ حينَ تطوفُ بالخاطرِ نَسَماتُ السُّنّةِ النبويةِ العطرةِ بصيامِهِ شُكراً للوَّهاب، فإذا هي تَمْتَزِجُ بآهاتِ الفاجعةِ الهاشميّةِ التي تَهْتَزُّ لها جبالُ الأرضِ حُزناً وكمَداً. كأنَّ خيوطَ الشَّمسِ في ذلكَ اليومِ انْدَمَتْ بلونِ النَّحرِ الشَّريف، وكأنَّ جَفْنَ السَّماءِ قَرِيحٌ لا يَرْقَأُ دَمْعُهُ مُذْ سَقَطَ ريحانةُ المُصطفى عَطْشاناً على رِمالِ كربلاء، يَحوطُهُ رَحيقُ النُّبُوَّة، وتَبكيهِ مَلائكةُ السَّماء.
أيُّ قَلْبٍ هَذا الذي لا يَتَفَطَّرُ لِمَشْهَدِ العَقِيلةِ زَينب، وهي تَقفُ بَينَ رِمَاحِ القَتَلَةِ وَحَرِيقِ الخِيَام، تَتَفَقَّدُ أجساداً مُبَضَّعَةً لِأَقْمَارِ بَني هَاشِم، وتَمسَحُ بِكَفَّيْها المَقْطُوعَتَيِ الحِبَالِ عَنْ جَبِينِ الحُسَينِ غُبَارَ الطَّفِّ الفَاجِع؟!
وفي مقامِ هذا الأسى الكوني الكسير، ينشجُ القلمُ بدمعِ الفجيعة قائلاً:
- عَجَبًا لِمَاءِ النَّهْرِ يَجْرِي مُتْرَعًا ... وَسَلِيلُ أَحْمَدَ فِي الهَجِيرِ صَادِي!
- بَكَتِ القُلُوبُ قَبْلَ العُيُونِ لِرُزْئِهِ ... وَغَدَا لَهُ نَحِيبُ الكَوْنِ حَادِي
- يا رَأْسَ سِبْطِ المُصْطَفَى فَوْقَ القَنَا ... تَبْكِي الحُرُوفُ وَيَلْطِمُ الإِنْشَادُ
- أَيُّمُوتُ ظَمْآنًا وَجَدُّ الحَوْضِ مَنْ ... يُسْقَى بِكَفِّهِ حَاضِرٌ وَبَادِي؟!
إنَّهُ الشَّجَنُ الذي يَسكنُ الأرواحَ، والدَّمعةُ التي لا تَجِفُّ في مآقي الأحرار. لَقد كُسِرَ السَّيفُ على عَتَباتِ كربلاء، وبَقِيَ دَمُ الحُسَينِ قِصّةً أَبَدِيَّةً تُزلْزِلُ الضَّمَائِرَ، وَتُعَلِّمُ الأُمَمَ أنَّ مَوْتَ الشُّهَدَاءِ هُوَ الحَيَاةُ الحَقِيقِيَّة.
سَيَبقَى عاشوراءُ مَدرستَنا الكُبْرى: نَصُومُ نَهَارَهُ بِسُنَّةِ الجَدِّ المُنقِذِ ﷺ، وَنَبْكِي لَيْلَهُ بِلَوْعَةِ السِّبْطِ الشَّهيدِ والحَوْرَاءِ المَسْبِيَّة؛ لِتَظَلَّ كربلاءُ صَرْخَةَ الحَقِّ التي لَا تَمُوتُ، وَنَشِيجَ الضَّمِيرِ الذي يَغْسِلُ القُلُوبَ بِدُمُوعِ الوَفَاءِ والأَسَى إِلَى أَنْ يَرِثَ اللهُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا.


























