بقلم/ خالد منتصر
أكتب لكم هذا المقال بعد مباراة البرتغال وكرواتيا التي كانت من أمتع مباريات المونديال وأكثرها إثارة، لكنها أيضاً انتهت بهدف ملغى لكرواتيا، كنت وقت تسجيله متأكداً 100% أنه هدف، ثم أصابني الذهول حين تم إلغاؤه، من خلال تقنية الفار، أخذت أفكر في كيفية تأثر كرة القدم بالتكنولوجيا، وربطتها بفلسفة البحث عن الحقيقة الدامغة التي باتت تؤرق الإنسان المعاصر، الذي دوماً يتساءل هل هناك ما أستطيع أن أسميه حقيقة!، وعدت بذاكرتي إلى الوراء، ودار شريط مباراة الأرجنتين وإنجلترا في دماغي، وأخرج لي مارادونا لسانه، بهدفه الشهير الذي أحرزه بيده، وظن الجميع أنه برأسه، تساءلت لو كان الفار موجوداً وقتها، فهل كان سيحتسب هذا الهدف، بتبعات زلزاله؟

بالطبع مستحيل، وغيره مئات الأهداف التي غيرت مسارات المنتخبات والفرق على مدار التاريخ، حتى دخل الفار والذكاء الاصطناعي وتقنيات التكنولوجيا الحديثة، وحشروا أنوفهم في المستطيل الأخضر، بل اقتحموا ما تحت جلد اللاعبين، وعندما بحثت في سبب إلغاء هدف كرواتيا، وجدت أنه المستشعر أو السينسور، لكن ما هذا المخبر السري الرهيب الذي كشف الحقيقة المستترة؟، السينسور الموجود داخل طبقات الكرة هو حساس قياس القصور الذاتي (Inertial Measurement Unit - IMU)، وهو قلب تقنية Connected Ball Technology التي طورتها Adidas بالتعاون مع FIFA وشركة Kinexon، في مباراة البرتغال وكرواتيا، كان الجدل حول لمسة طفيفة جداً من اللاعب الكرواتي ماتانوفيتش، بالعين المجردة وبالإعادة التليفزيونية بدا كأنه لم يلمس الكرة، لكن الحساس داخل الكرة سجل اهتزازاً لحظة ملامسة رأسه لها، هذا غيّر لحظة التمرير، وبالتالي أصبح زميله Mario Pašalić في موقف تسلل، فأُلغي الهدف.

كيف يعمل هذا الحساس؟، يسجل حركة الكرة 500 مرة في الثانية (500 Hz)، يحدد اللحظة الدقيقة جداً التي تلمس فيها أي جزء من جسم اللاعب الكرة، يرسل البيانات فوراً إلى غرفة الVAR، تُدمج هذه البيانات مع كاميرات التتبع ثلاثية الأبعاد والذكاء الاصطناعي لتحديد التسلل بدقة تصل إلى أجزاء من الألف من الثانية، في كأس العالم 2026، نُقل للمشاهدين رسم يشبه نبضة القلب أو Spike، وهو يمثل الإشارة التي خرجت من الحساس لحظة لمس ماتانوفيتش للكرة، تماماً مثل تقنية Snickometer المستخدمة في الكريكيت لاكتشاف اللمسات الخفيفة للمضرب، ببساطة، القرار لم يعتمد على الكاميرا وحدها، بل على دمج ثلاثة مصادر للمعلومات: الحساس داخل الكرة، وكاميرات تتبع اللاعبين، والذكاء الاصطناعي الذي يجمع البيانات ويعرضها لحكم الفيديو، لهذا السبب استطاع الحكم إثبات وجود لمسة لم تكن واضحة لمعظم المشاهدين، وهو ما أدى إلى إلغاء هدف كرواتيا واحتساب التسلل.

إنه العقل الهائل المرعب الذي جمع وربط كل البيانات بسرعة هائلة، ثم قدّمها إلى حكم الفيديو (VAR)، الذي أوصى الحكم بإلغاء الهدف، وهو نفس ما حدث مع لاعب إيران الذي كان متسللاً في مباراتنا بمقدار «بوز حذاء»!!!، ضبطه الفار متلبساً بالتقدم، وقت أن كان حارس المرمى مصطفى شوبير متقدماً.

البعض يتهم التكنولوجيا بأنها أفسدت متعة كرة القدم، وأنا أرى عكس ذلك، وأرى ربط المتعة بتزييف الحقيقة شيئاً ممجوجاً وكريهاً، لأننا لو اعتمدنا على أمانة لاعب الكرة فقط، أو اعترافه بالحقيقة، مثلما فعل اللاعب علي خليل منذ أكثر من نصف قرن، حين اعترف بأن هدفه ليس هدفاً، ومرة واحدة ولم تتكرر، لو اعتمدنا على ذلك، سنعيش في فقاعة كبيرة من الكذب، إذن كل الشكر للفار المتربص الذي يزعجنا بوسوسته.

نقلاً عن "الوطن"

حول الموقع

سام برس