بقلم/ الدكتور / علي أحمد الديلمي
حين استعيد السنوات الثلاثين الماضية لا اجد انني انتقلت فقط بين مدن وبلدان مختلفة بل اشعر انني عبرت مراحل متلاحقة من حياتي المهنية والشخصية بالتزامن مع عالم كان يتغير امام عيني بسرعة مذهلة ففي منتصف التسعينات كنت في نيويورك للعمل في البعثة الدائمة لبلادنا لدى الامم المتحدة وهناك انشأت اول بريد الكتروني لي في حياتي مستخدما جهاز كمبيوتر كبيرا كان يحتاج الى مكان خاص للجلوس امامه وكان مجرد ارسال رسالة عبر الانترنت يبدو يومها انجازا تقنيا مثيرا لم نكن نتصور ان تلك البداية البسيطة ستقودنا بعد ثلاثة عقود الى عالم نحمل فيه داخل جيوبنا جهازا صغيرا نستطيع من خلاله ان ندير معظم تفاصيل حياتنا وربما لو اخبرني احد يومها ان الهاتف سيصبح يوما مكتبي وبنكي ومتجري ووسيلة عملي واتصالي بالعالم لاعتبرت ذلك اقرب الى الخيال

وفي بداية الالفية انتقلت الى القاهرة للعمل في بعثة اليمن لدى جامعة الدول العربية وكان الانترنت ينتشر بصورة اوسع لكن الحياة اليومية كانت لا تزال قائمة في معظمها على العلاقة المباشرة بين الناس تذهب الى البنك فتقابل موظفا وتراجع مؤسسة فتجلس امام شخص وتشتري احتياجاتك من متجر تعرف فيه البائع وربما تتبادل معه الحديث قبل ان تغادر ثم انتقلت عام 2007 الى اليابان للعمل في سفارة اليمن في طوكيو وهناك شاهدت صورة اكثر تقدما للمستقبل فقد كانت التكنولوجيا حاضرة بقوة في تفاصيل الحياة اليومية وكنت اشاهد معظم القنوات عبر الانترنت وارى كيف يمكن طلب الكثير من الاحتياجات والخدمات عن طريق الشبكة وكانت اليابان بالنسبة لي آنذاك نافذة مبكرة على عالم جديد وما كان يبدو متقدما واستثنائيا هناك اصبح بعد سنوات قليلة جزءا عاديا من حياة الناس في مختلف انحاء العالم

وفي بداية عام 2012 انتقلت الى لبنان للعمل في سفارة اليمن في بيروت وكان الهاتف الذكي ووسائل التواصل الاجتماعي قد بدآ يعيدان تشكيل علاقتنا بالزمان والمكان لم يعد البعيد بعيدا كما كان ولم تعد الحدود الجغرافية تعني الانقطاع عن الاصدقاء والعائلة والعمل والاخبار اصبح العالم حاضرا معنا طوال الوقت ثم اندلعت الحرب في اليمن عام 2015 لتتغير معها اشياء كثيرة في حياتنا ولم تعد التحولات التي اعيشها مرتبطة بالتكنولوجيا وحدها بل امتدت الى المسار الشخصي والمهني نفسه وفي تلك السنوات كنت ارى ايضا كيف اصبحت وسائل التواصل جزءا من الاحداث السياسية والحروب وصناعة الراي العام وكيف انتقل الخبر من الصحيفة ونشرة التلفزيون الى هاتف كل انسان

وفي عام 2019 انتقلت الى تورنتو في كندا للعمل في القطاع الخاص وكانت تلك بدورها بداية مرحلة مختلفة تماما في حياتي وبعد فترة قصيرة جاءت جائحة كوفيد لتسرع التحول التكنولوجي بصورة ربما كان يحتاج في الظروف الطبيعية الى سنوات طويلة فتحولت الشاشات من وسيلة مساعدة الى جزء اساسي من الحياة وصار العمل والاجتماع والدراسة والتسوق والخدمات والمراجعات تتم عن بعد واليوم وبعد سنوات من تلك المرحلة اجد ان معظم ما احتاج اليه يمكن انجازه من هاتفي ادفع الفواتير واشتري احتياجاتي واجري معاملاتي البنكية واحجز المواعيد واتابع شؤون العمل وحتى طلب الاجازة والمراجعات تتم من خلال الهاتف وقد يمر يوم كامل انجز خلاله العديد من الامور دون ان احتاج الى الجلوس امام موظف او التعامل مباشرة مع شخص وكأن الهاتف تحول من مجرد وسيلة للاتصال الى مكتب وبنك ومتجر ومؤسسة وعالم كامل نحمله معنا اينما ذهبنا

وبعد هذه الرحلة من نيويورك الى القاهرة ومن طوكيو الى بيروت ثم تورنتو لا استطيع القول ان الماضي كان افضل ولا ان الحاضر اسوأ فلكل مرحلة مكاسبها وخسائرها لقد منحتنا التكنولوجيا حرية كبيرة واختصرت المسافات ووفرت الوقت والجهد وجعلت المعرفة والخدمات والعالم كله اقرب الينا لكنها في المقابل اخذت شيئا من بساطة العلاقات ومن دفء اللقاء الانساني واصبحنا نتواصل مع اعداد اكبر من البشر بينما قد نقابل عددا اقل منهم وجها لوجه وربما تكون المفارقة التي تستحق التأمل انني قبل ثلاثين عاما كنت في نيويورك احتاج الى جهاز كمبيوتر كبير كي ارسل بريدا الكترونيا واحدا واليوم في كندا احمل عالما كاملا في هاتفي لكن السؤال لم يعد ماذا تستطيع التكنولوجيا ان تقدم لنا بعد كل ما قدمته بل كيف نستطيع نحن ان نحافظ على انسانيتنا وعلاقاتنا المباشرة في عالم يتجه بسرعة نحو انجاز كل شيء من خلف الشاشات فقد يأتي يوم يصبح فيه الوصول الى اي شيء اسهل من اي وقت مضى بينما يصبح اللقاء الحقيقي بين انسان وانسان هو الشيء الاصعب والاكثر ندرة

حول الموقع

سام برس