بقلم/ محمد الدلواني
في حياتنا ​تظل صنعاء كوكبا دريا يضيء بالجمال والعراقة في قلب شبه الجزيرة العربية ؛ مدينة لا تشبهها مدينة ، استمدت خصوصيتها الحضارية من نسيج فريد يجمع بين شموخ الإنسان، وثراء الأدب، وابداع العمران، وعبقرية الفن.
وفي أجواء ماطرة وجلسة صنعانية خاصة وخالصة، فاضت بعبق الأنس والوفاء تشرفت بدعوة كريمة من الأستاذ مطهر تقي، وباستضافة سخية من الشيخ محمد محمد صلاح، وبحضور كوكبة من نبلاء صنعاء ونخبتها، لحضور جلسة صنعانية جرى فيها الإبحار في عمق تاريخ صنعاء وهواها وهويتها ، من خلال أضاءت ومداخلات الأساتذة مطهر تقي ، وشفيق الغرباني، وأحمد جحاف على جوانب الاستثناء والفرادة التي جعلت من أبناء صنعاء عمالقة للجزيرة العربية منذ أقدم العصورك​حضارة شيدت بالذوق وعمدت بالاستقلالية ​والاختلاف عن سائر الحضارات الإنسانية؛ فهي لم تستنسخ ولم تستوحي معالمها من غيرها، بل نبعت من أصالة الأرض وعبقرية الإنسان اليمني الذي طوّع الطبيعة والتراب والحجر ليصنع نسيجا عمرانيا وثقافيا قائما بذاته. منذ أن تعاقب على حكمها الملوك والأئمة، من عصر الدولة الحميرية وتبّع والضحاك، مرورا بالعهود الإسلامية المتلاحقة والدولة الصليحية ورعايتها للفكر والفن، وصولا إلى العصور الحديثة؛ وظلت صنعاء عصية على الذوبان، محافظه على هويتها ومن المدن التي تعيد إنتاج جمالها برؤية تجسد العظمة والشموخ.

مبرزة ان المعمار الصنعاني ليس مجرد حجارة وطين ، بل هو فلسفة حياة وهندسة كانت تدار بالذوق الرفيع.الذي أتأح لابناء صنعاء التفنن منذ مئات السنين في البناء، مبتكرين ناطحات السحاب الأولى في التاريخ بياجورها وسياج زجاج قمرياتها الملون التي تحول ضوء الشمس إلى لوحات فنية داخل الدور، بتقسيمات فريده ووظائف جمالية وادارة فذة للطقوس الشاهدة على عمق الذوق الذي أدار به الصنعاني حياته وحافظ به على خصوصية بيئته وسكنه.

​وفي ميادين الأدب، تجلى الإبداع الصنعاني في ابتكار الشعر "الحميني"، ذلك الفن الشعري الساحر الذي امتاز بالقدرة على المزج الفريد بين رصانة الفصحى وعذوبة العامية الصنعانية. بأسلوب سلس ورقيق لا يجيده ولا يتقنه إلا أبناء هذه التربة، حيث غدا الشعر الحميني ديوانا للمشاعر، ووعاء للغزل العفيف، والحكمة، والموشحات الشجية، ليغدو ويظل رافدا أصيلا أثرى الأدب العربي بأكمله.

​وبالنسبة للفن الغنائي الصنعاني، فهو مدرسة قائمة بذاتها تم الاعتراف بها كتراثا إنسانيا عالميا. كفن أصيل نبَع من وجدان الأنس والانسان الصنعاني، ولم يستوحي مقوماته أو إيقاعاته من أي فن آخر. ودون اغفال تكامله مع فن "الإنشاد والموشحات الصنعانية"، التي تهز دوما الوجدان وتسمو بالروح. وتسهم في اكتمال الصورة الحية في تلك الجلسات الصنعانية المباركة التي تتنوع بين القفشات الطريفة والنكات الدقيقة والموشحات السامية، وتختتم غالبا بالاصوات الندية والنغم الرخيم، التي صدح بها المنشدان علي الحليلي وعبدالباسط تلها بمقطوعات إنشادية نالت الاستحسان وألانت لها الافئدة والقلوب.

منو هين ​الي إن تميز صنعاء وأبنائها لم يكن وليد المصادفة، بل هو ثمرة تراكم حضاري ممتد لمئات السنين من الذوق في إدارة التفاصيل اليومية؛ والتميز في البناء والتفنن في الصناعات الحرفية، دون أغفال الاهتمام بطقوس التواصل الاجتماعي والمجالس التي تجمع الحكمة بالفن، والأدب بالنكتة والمزيد من اللطافة . لتؤكد بان الإنسان اليمني قد سطر تاريخا مجيدا بأصالته، وأبدع في صياغة تراثه المعماري والغنائي، ليثبت للعالم أجمع أن صنعاء كانت وستظل عنوانا للذوق والعظمة، ومنارة تستمد منها الجزيرة العربية أصول الفن وجمال الحضارة وكفاءة التعامل والتعاون

حول الموقع

سام برس