بقلم / الدكتور/ حسن حسين الرصابي
تُعلّمنا تجارب التاريخ الممتدة عبر العصور أن القوة العسكرية والمالية، مهما بلغت ذروتها، لا تُشكّل حصانةً دائمةً للدول إذا ما غابت عنها الحكمة ورشادة القرار. فالإمبراطوريات والدول لم تسقط عبر التاريخ لأنها كانت تفتقر إلى السلاح أو الموارد، بل لأن صُنّاع القرار فيها أصابهم عمى التقدير ونشوة الاستعلاء، فاندفعوا نحو قرارات مصيرية خاطئة كانت بمثابة رصاصة الرحمة على وجودهم ومستقبلهم.

إن تتبّع مسار سقوط القوى الكبرى يُبرز حقيقةً تاريخيةً ثابتة: القوة المنفلتة من عقال العقل والتوازنات تتجه تلقائياً نحو تدمير ذاتها، وما يجري اليوم في المنظومة الإقليمية، وتحديداً في تعاطي المحيط الجغرافي مع الملف اليمني، يُقدّم نموذجاً حياً لهذه السُنّة الكونية. فالأياد التي توهّمت إمكانية حسم هذا الملف بالقوة أو الإخضاع قد اصطدمت بجغرافيا معقدة وإرادة شعبية صلبة أثبتت عبر مختلف المحطات التاريخية عصيانها على الكسر.

وبدلاً من الجنوح الكامل نحو خيار السلم الإستراتيجي، والالتزام المسؤول بمتطلبات الاستقرار، والتخفيف من المعاناة الإنسانية التي أثقلت كاهل أبناء الشعب اليمني المسلم ، يُصرّ البعض على الانزلاق نحو سياسات المماطلة وتأجير الوقت. إن هذا المسار لا يعبّر عن تمكّن أو اقتدار، بقدر ما يعكس حالة من التخبط والعجز عن قراءة المتغيرات وإدراك معادلات الردع الجديدة التي فرضت نفسها على الواقع الميداني والإقليمي.

إن الهروب إلى صياغة تحالفات جديدة لن يغطي عين الشمس، ولن يضيع الحقوق المشروعة لليمنيين التي كفلتها القوانين والمواثيق كافة، وفي مقدمتها فك الحصار الشامل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. والعاقل من اتعظ بغيره؛ فالاستقواء بالتكتلات الخارجية لكسر الإرادة اليمنية بعد اثني عشر عاماً من الحصار الجائر يغفل حقيقة أن اليمن أرض عصية لا ترضى بالضيم.

ينبغي لمن يستدعي أدبيات التاريخ التركي -كأردوغان- أن يقرأ بتمعن مذكرات قادة الغزو العثماني وما تجرعوه على هذه الأرض، كما أن على من جرب طيش القرارات طيلة ثماني سنوات من الحرب -كابن سلمان- أن يتساءل بإنصاف: هل تحققت أهدافها؟ وحتى حين كانت للسعودية اليد الطولى في ستينيات القرن الماضي لإعادة الحكم الملكي، لم تحصد إلا الخيبة. فإذا كانت حرب القرن العشرين وحرب العقد الثاني وما يليه من العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين قد عجزتا معاً عن تحقيق أجنداتهما المعلنة، فإن المراهنة على تكرار التجربة ليست سوى إصرار على إعادة إنتاج الفشل.

وهنا تتبدى الخطورة الحقيقية للغرور الإستراتيجي؛ إذ إن العجز عن الاستيعاب المبكر لحقائق الواقع يورث ارتباكاً تُدفع كلفته الباهظة من استقرار الدول ذاتها. إن التاريخ لا يقدم مهلاً مفتوحة للمستكبرين، وكلما أمعنت القوى الإقليمية في الالتفاف على المطالب اليمنية العادلة عبر مناورات سياسية وتحالفات هشة، تضاعفت عوامل النزيف الذاتي في بنيتها الإستراتيجية.

فالشعب الذي صمد في وجه أعتى التحالفات وتجاوز الحصار الممتد، امتلك قدرة الاستجابة وتثبيت معادلاته، ليصبح الاستمرار في هذه الرهانات مجرد استنزاف عبثي يُعجّل بفاعلية السُنن التاريخية: إن من يحاول كسر إرادة الشعوب الحرة ينتهي به المطاف محاطاً بتداعيات طيشه، ليجد نفسه أمام حقيقة صلبة مفادها أن الاستقرار لا يُبنى على إهدار حقوق الآخرين، بل على النزول عند مقتضيات العدل.

إن التغاضي عن الاستحقاقات المشروعة، والرهان على عامل الوقت أو الحصار، يُعدّ مجازفةً إستراتيجيةً غير محسوبة التبعات على أمن المنطقة واقتصادها، وأولى الخطوات نحو حماية الاستقرار الإقليمي تتطلب الشجاعة السياسية والتخلي عن أوهام الهيمنة، والتعامل بواقعية مع المعطيات القائمة على الأرض.

إن السُنن التاريخية لا تجامل أحداً، والتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاء سلفه. فهل تتغلب الحكمة والعقلانية قبل فوات الأوان، أم أن سنن التاريخ ستأخذ مجراها المحتوم؟

حول الموقع

سام برس