بقلم/ سعدية مفرح
أجلس أحيانا أمام فنجان قهوة ولا أفعل شيئا. أترك الهاتف بعيدا، أو أقرأ صفحتين من كتاب ثم أضعه إلى جواري. تمر عشرون دقيقة، وربما ساعة، وأكتشف بعد ذلك أنني كنت أفعل شيئا مهما جدا: كنت أترك رأسي يستريح.
منذ متى صار علينا أن نشرح هذا الوقت؟
حين يسأل أحدهم: “ماذا فعلت اليوم؟” نميل إلى تعداد الأعمال التي أنجزناها، والمواعيد التي حضرناها، والرسائل التي أجبنا عنها، والأشياء التي انتهينا منها. وإذا قلنا: “جلست في البيت وقرأت قليلا وشربت قهوتي”، بدا الأمر كما لو أننا قدمنا تقريرا ناقصا عن يومنا. كأن الساعات لا تكتسب قيمتها إلا حين نضع فيها مهمة يمكن تسجيلها في دفتر الإنجاز.
حتى الفراغ صار يحتاج إلى مبرر.
أفكر أحيانا في الأيام القديمة التي كان فيها للناس وقت يجلسون فيه أمام البيت، أو قرب النافذة، أو في مقهى يعرفون فيه وجوه الجالسين أكثر مما يعرفون أسماءهم. كانت هناك ساعات تمر من غير مشروع واضح، وكان ذلك جزءا طبيعيا من الحياة. قد يقرأ شخص كتابا لساعتين، وقد يمشي مسافة طويلة من أجل متعة المشي، وقد يجلس آخر يتأمل شجرة في الحديقة، وقد يسرح قليلا في فكرة لا يعرف إلى أين ستأخذه. لم تكن كل دقيقة مطالبة بإثبات جدارتها.
أما نحن فقد تعلمنا أن ننظر إلى الوقت كأنه مادة خام ينبغي استثمارها كلها.
حتى حين نقرر أن نرتاح، نبحث عن طريقة “مفيدة” للراحة. نشاهد محاضرة، نستمع إلى بودكاست، نتعلم لغة، نتابع برنامجا رياضيا، أو نحول المشي إلى سباق مع عدد الخطوات. نحتاج أحيانا إلى أن نخرج من اليوم بفائدة واضحة حتى نشعر أننا لم نهدره.
وهنا تكمن المفارقة: قد تكون حاجتنا الأكبر هي بعض الوقت الذي لا نعرف ماذا سنفعل به.
فالقراءة، مثلا، تحتاج إلى شيء من البطء. الكتاب الذي نقرأه ونحن نراقب الساعة ونفكر في الرسائل التي تنتظرنا، يفقد شيئا من قدرته على الدخول إلينا. بعض الأفكار تحتاج إلى أن تتأخر قليلا قبل أن تستقر في مكانها. وقد نقرأ جملة صباحا ثم نفهمها مساء، أو نتذكر مشهدا من رواية بعد سنوات فنكتشف أنه كان يقول لنا شيئا لم نكن مستعدين لسماعه يوم قرأناه.
حتى المشي يحتاج إلى وقت لا نطالب فيه أنفسنا بالوصول.
هناك فرق بين أن تمشي لأنك تريد الوصول إلى مكان، وأن تمشي لأن الطريق نفسه يمنحك شيئا. في المشي الهادئ تتسع المسافة بين الفكرة والفكرة، وتظهر أشياء صغيرة كانت تختفي تحت استعجالنا: شجرة نمت أكثر مما توقعنا، نافذة تغير ستارتها، بائع يعرف زبونه من خطوته، أو سماء أخذت لونا لم ننتبه إليه لأننا كنا مشغولين بالنظر إلى شاشة صغيرة في أيدينا.
والجلوس بلا مهمة قد يكون من أصعب الأشياء التي نستعيدها.
نجلس خمس دقائق، ثم تمتد اليد تلقائيا إلى الهاتف. نشعر بأن هناك شيئا ينبغي متابعته، رسالة ينبغي قراءتها، خبرا ينبغي معرفته، أو صورة ينبغي رؤيتها. كأن الفراغ أصبح مساحة ناقصة علينا أن نملأها بسرعة. وحين تمتلئ، نشكو أننا لا نملك وقتا للتفكير.
ربما نحتاج إلى إعادة النظر في معنى الوقت الضائع.
قد تضيع ساعة في انتظار موعد، ثم تكتشف أنك أنهيت خلالها فصلا من كتاب. وقد تجلس طويلا أمام نافذة فتتذكر شيئا كنت قد نسيته. وقد تخرج للمشي من غير غاية فتعود بفكرة تصلح لقصيدة أو مقال. وقد تشرب قهوتك ببطء، من دون قراءة خبر أو الرد على رسالة، فتشعر للمرة الأولى منذ أيام أنك كنت حاضرا في صباحك.
الأفكار الكبيرة لا تأتي دائما أثناء العمل عليها. أحيانا تظهر في المسافة التي نتركها بينها وبين انشغالاتنا.
وهذا ما يجعل الفراغ ضروريا للكتابة أيضا. الكاتب الذي يملأ يومه كله بالمواعيد والقراءة والرسائل والمتابعة قد يجد نفسه أمام الصفحة عاجزا عن سماع الجملة التي يبحث عنها. الكتابة تحتاج إلى حياة خارج الكتابة، إلى مشهد عابر، ونزهة قصيرة، وحديث لا علاقة له بالعمل، وكتاب نقرأه من أجل المتعة، ووقت طويل نسبيا نترك فيه العقل يتجول من غير أن نطلب منه نتيجة.
ربما كان أجمل ما في الوقت الفارغ أنه لا يطالبنا بشيء.
يمكن أن نجلس مع فنجان قهوة وننظر إلى الشارع. يمكن أن نقرأ قصيدة للمرة الثالثة. يمكن أن نتمشى من شارع أطول قليلا. يمكن أن نترك الهاتف في غرفة أخرى وننسى مكانه لبعض الوقت. يمكن أن نحدق في شجرة، أو نرتب مكتبة، أو نستعيد وجه شخص نحبه، أو نترك فكرة قديمة تعبر في رؤوسنا من دون أن نحاول الإمساك بها.
هذه الساعات التي تبدو بلا وظيفة قد تكون هي التي تعيد ترتيب وظائفنا الداخلية.
نحن نعرف كيف نملأ الوقت، ونعرف كيف نحسبه، ونشعر بالقلق حين يسبقنا. ربما نحتاج الآن إلى مهارة أكثر بساطة: أن نترك منه شيئا فارغا.
فليس كل ما لا ينتج شيئا في الحال عديم القيمة. هناك أشياء ثمينة تبدأ في لحظة لا يحدث فيها شيء. فكرة، وذكرى، وقرار، وبيت شعر، ورغبة في الاتصال بشخص غاب عنا طويلا. وقد تكون الحياة نفسها، في بعض أجمل لحظاتها، جالسة إلى جوارنا ونحن نعتقد أننا نضيع وقتنا.
متى صار الوقت الفارغ وقتا ضائعا؟
ربما حين أقنعنا أنفسنا أن علينا أن نفعل شيئا طوال الوقت.
وربما حان الوقت كي نعيد إلى الفراغ مكانه القديم: مساحة حرة نذهب إليها من غير موعد، ونعود منها أحيانا ونحن لا نعرف تماما ماذا حدث لنا.
يكفي أننا عدنا ونحن أكثر قدرة على أن نكون هنا.
نقلاً عن الشرق


























