بقلم/ دكتور/ حسن حسين الرصابي
قراءة في كتاب "الشرق الأوسط الجديد بأجندة صهيونية" لمؤلفه: د. حسن حسين الرصابي

في زمنٍ تُصنع فيه الحقائق داخل مطابخ الدعاية، وتُشكَّل فيه المفاهيم كما تُشكَّل العرائس، يصبح الوعي أول خطوط الدفاع وأشدها جسارة. بين يدي كتاب "الشرق الأوسط الجديد بأجندة صهيونية"، نقف أمام قراءة تشريحية تنزع القناع عن ظاهرة تزييف الوعي؛ قراءة تضع المجهر على آليات "صناعة الوهم"، وتكشف الفارق البنيوي بين "إستراتيجية الكذب" حين تُدار باحتراف استعماري، وبين التخبط الناجم عن ارتهان الهواة.

عندما بدأ "جوبلز" -وزير دعاية هتلر- العمل بمقولته الشهيرة: "اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس"، لم يكن يملك يومها من وسائل صنع الدعاية ونشر الإشاعات سوى أدوات بدائية معدودة ومحدودة؛ لم تكن لديه شبكات بث فضائي، ولا مواقع إخبارية عالمية، ولا منصات تواصل اجتماعي، ولا "ذباب إلكتروني".. ورغم ذلك، استطاع أن يمرر أوهامه محققاً نتائج مبهرة في تزييف وعي الجماهير.

وفي نهاية المطاف، سقط هتلر ونظامه، وأُعدم جوبلز ورفاقه؛ ليس لأنهم فشلوا في صناعة "الزيف"، ولكن لأنهم أخطأوا التقدير عسكرياً وتكتيكياً. غير أن المأساة الحقيقية هي أن مقولة جوبلز لم تمت بموته، بل تحولت إلى نظرية تُدرس -ليس في ألمانيا طبعاً- بل في الدول ذات النزعة الاستعمارية، وعلى رأسها أمريكا.

لقد طورت واشنطن هذه النظرية وحدثت أساليبها حتى أصبحت، بلا منازع، المدرسة الرائدة في "صناعة الوهم" وتمرير المفاهيم البراقة الخداعة، لا أحد يكذب اليوم كأمريكا؛ إنهم خبراء في تسويق الدجل والتضليل، يختلقون الكذبة ويصرون عليها حتى تتحول في أذهان الناس إلى حقيقة مطلقة، تماماً كما فعلوا حين أقنعوا العالم بأن خريطة الوطن العربي ليست سوى "شرق أوسط"!

وهنا يأتي الدور على "الأعراب".. فماذا فعلوا؟
لقد تبنى هؤلاء نظرية جوبلز أيضاً، فهم يكذبون كما يتنفسون، لكن شتان بين "كذب المحترفين" و"تخبط الهواة". يكمن فشل الأعراب في أنهم لا يجيدون فنون الصناعة ولا مهارات التسويق؛ فالأمريكي يثبت على كذبته حتى يصدقها الناس، أما هؤلاء فلا يستقرون على كذبة واحدة إلا وانتقلوا إلى أخرى تفضح الأولى!
تراهم يدعون الدفاع عن "فلسطين"، لتكشف مواقفهم أن وجهتهم هي "إسرائيل"، ويدعون محاربة اليمن لإعادته إلى "الحضن العربي"، لتكتشف أن ذاك الحضن ما هو إلا "التبعية الأمريكية".

إنهم فاشلون في كل شيء، حتى في صناعة الكذب وتسويقه رغم ما يمتلكونه من أبواق وأدوات. والنتيجة هي هذه الفجوة الشاسعة التي نراها اليوم، والتي تزداد اتساعاً بين النظام الرسمي العربي وبين الشعوب التي سئمت زيف الخطاب وهشاشة الرواية.

إن الحقيقة التي نصل إليها ليست مجرد تعرية لأدوات الزيف ومهارات التضليل، بل هي صرخة لإعادة بناء الوعي الجمعي العربي. فبين الكذب الأمريكي المُهيكل والارتهان العربي الهش، تتسع الفجوة يومياً بين السلطة والمجتمع، ولن يرمم هذه الفجوة إلا السقوط الأكيد للمشاريع البراقة، والعودة إلى الحقائق الصلبة؛ فالصناعة الزائفة مهما بلغت إمكانياتها التسويقية، ستظل أوهاماً تهوى أمام وعي الشعوب ويقظة التاريخ.

حول الموقع

سام برس