بقلم/ محمد قائد العزيزي
كان فؤاد دحابه عضو مجلس النواب اليمني عن حزب الإصلاح يوما ما يحمل صورة الثائر «جيفارا» في ساحات الاعتصام خلال أحداث عام 2011 ويتراقص بها وسط الحشود مطالبا برحيل الرئيس السابق وإسقاط النظام القائم آنذاك.
كان المشهد يبدو ثوريا بامتياز صورة جيفارا مرفوعة والهتافات تصدح وشعارات التغيير تملأ الساحات وكأننا على أبواب جمهورية فاضلة ستولد من رحم تلك الاعتصامات.
لكن السنوات مضت سريعا
خرج فؤاد دحابة من الوطن بعد سقوط صنعاء بيد الجماعة وخرجت معه أشياء كثيرة من المشهد بقيت صورة جيفارا في الذاكرة بينما تبدلت الشعارات وتغيرت التحالفات وانزلقت البلاد إلى الحرب وتقسم الوطن إلى مربعات نفوذ وانهارت مؤسسات الدولة وانقطعت الرواتب وتراجعت الخدمات وأصبح المواطن اليمني يبحث عن أبسط حقوقه كما يبحث المسافر عن وطن ضائع.
ومؤخرا عاد «جيفارا اليمني» إلى صنعاء،لكن هذه المرة لم يعد إلى الساحة رافعا صورة الثائر ولا مطالبا بإسقاط نظام ولا داعيا إلى ثورة جديدة، عاد صامتا يبحث عن الأمان وكأن جيفارا الذي كان يرفعه ذات يوم قد بقي في حقيبة الماضي بينما حمل صاحبه معه حسابات الحاضر.
وفؤاد دحابة لم يكن بالنسبة إلي مجرد اسم سياسي كان صديقا حتى بعد وصوله إلى عضوية مجلس النواب اليمني وكنت أتابع مواقفه وانتقاداته للنظام آنذاك، وكان من الطبيعي أن تكون له مواقف سياسية مختلفة فهو في النهاية شخصية حزبية وله هويته وانتماؤه السياسي.
لكن السؤال ليس في أن يختلف السياسي أو ينتقد السلطة فهذا حق مشروع وإنما في ماذا يحدث عندما تتحول السياسة إلى ثورة وتتحول الثورة إلى صراع ويتحول الصراع إلى حرب ثم يجد الثائر نفسه بعد سنوات يبحث عن ظهر يحميه في المكان الذي كان بالأمس يصرخ فيه ويطالب بتغييره.
اليوم عاد «جيفارا دحابه» إلى صنعاء ولكن ليس لأنه جيفارا الأمس الذي عرفناه في صور الساحات وإنما لأن لديه هذه المرة ظهرا يتكئ عليه ويدافع عنه ويضمنه لدى الجماعة.
ما أريد قوله.. إن الظواهر الثورية العابرة للحدود حين تبنى على الشحن والتحريض والأحقاد السياسية وتستغل غضب الشعوب ومظالمها وتتحول إلى مشاريع تتداخل فيها المصالح الخارجية والأجندات الدولية لا تصنع بالضرورة أوطانا أفضل ولا تبني دولة عادلة ولا تعالج الفساد والأخطاء،بل قد تفعل العكس تماما قد تعمق الشرخ وتوسع دائرة الخلاف وتحول الخصومة السياسية إلى عداوة اجتماعية وتفتح أبواب الانتقام وتنتج أمراء حروب وتجار أزمات ونهابة للثروات ومقتنصي الفرص
وفي النهاية تضيع الدولة وتضيع معها الحقوق والخدمات والمؤسسات ويصبح المواطن هو الفاتورة الدائمة لكل تلك الشعارات.
لقد اكتشف اليمنيون بعد سنوات من الحرب أن إسقاط نظام لا يعني بالضرورة بناء دولة وأن تغيير السلطة لا يعني تلقائيا تغيير الواقع إلى الأفضل وأن رفع الشعارات الكبيرة أسهل بكثير من تحمل نتائجها.
والساسة وثوار المظلوميات الذين يروجون لاحقا لفشل مشاريعهم باعتباره مجرد «أخطاء في الطريق» ربما يتجاهلون أن المسألة في بعض الأحيان لم تكن أخطاءا عابرة إنما تراكمات من الخلافات والأحقاد والصراعات السياسية ورغبة محمومة في الوصول إلى كرسي الحكم والسلطة
وحين يتصارع الكبار على الكرسي غالبا ما يكون الشعب هو من يجلس على الأرض كما يقول فلاسفة العصر
وطن يدمر دولة تتآكل مؤسسات تنهار حقوق تضيع وخدمات تتوقف وأجيال كاملة تدفع ثمن معارك لم تختارها،ومع ذلك وعلى الرغم من كل شيء نقول للأستاذ فؤاد دحابة أهلا وسهلا بك في بلدك وبين أهلك في صنعاء عاصمة اليمن.
فالعودة إلى الوطن حق والأمان مطلب لكل إنسان مهما اختلفنا معه في السياسة والمواقف،لكن تبقى العبرة فيما حصل كما قالها اصحاب التجارب السابقة بأن لا نندفع خلف ثورة قبل أن تسأل: إلى أين ستقود؟
ولا تهدم بيتا لأنك تكره احدا من أهله قبل أن تسأل: أين ستسكن بعد أن يسقط السقف؟ ولا ترفع شعار إسقاط النظام قبل أن تعرف: من سيبني الدولة بعد سقوطه؟
فالثورات ليست مجرد صور ترفع ولا هتافات تردد ولا ساحات تملأ ولا أنظمة تسقط..الثورة الحقيقية هي أن يعرف الإنسان كيف يبني بعد أن يهدم وكيف يجمع بعد أن يفرق وكيف يصنع دولة يتساوى فيها الناس أمام القانون..أما أن تسقط دولة ثم تبحث عن دولة وتهدم نظاما ثم تبحث عن نظام وتخوض معركة باسم الشعب ثم تترك الشعب يدفع ثمنها لعقود فهذه ليست بطولة سياسية بقدر ما هي مأساة وطنية.
وأخيرا...ظهر يسندك ولا ستين حزبا!..وسلامتكم.


























