بقلم/ د. باسم المذحجي
زيارة الرئيس الصيني "شي جين بينغ" لمصر .. ما لا تعلمه عن الاتزان الاستراتيجي والقوة الشاملة لجمهورية مصر العربية.
مقدمة : قراءة ما وراء البروتوكول.
تحليل زيارات الرؤساء لا يتم من خلال الصور والتصريحات فقط، بل عبر تفكيك أبعادها السياسية والاقتصادية والأمنية لاستخراج المكاسب الحقيقية خلف المشهد الدبلوماسي.

زيارة الرئيس الصيني "شي جين بينغ" للقاهرة ليست زيارة عادية. هي محطة في مشروع إعادة تشكيل النظام الدولي، ومؤشر على مكانة مصر المتصاعدة كقوة إقليمية ذات "اتزان استراتيجي وقوة شاملة".

أولاً: محاور التحليل الاستراتيجي للزيارة.
لفهم عمق أي زيارة رئاسية نستخدم 5 محاور:

1. السياق والتوقيت: جاءت الزيارة في ظل انشغال الولايات المتحدة بأزمات خارجية، وتراجع نسبي لنفوذها الإقليمي. وهو ما يفتح مساحة لملء الفراغ الاستراتيجي.
2. الأهداف المعلنة والخفية: بينما يركز الإعلام على الاتفاقيات الاقتصادية، تدور المباحثات خلف الكواليس حول الأمن الإقليمي والتحالفات الجديدة.
3. حجم الوفد المرافق: مشاركة وزراء الاقتصاد والدفاع والتكنولوجيا تعني أن الملفات الساخنة هي الصناعة والطاقة والتعاون العسكري.
4. مخرجات الزيارة: تقييم الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة ووزنها في الميزان الاستراتيجي المصري.
5. لغة الجسد والبروتوكول: مستوى الاستقبال والرسائل الرمزية الموجهة للقوى الإقليمية والدولية الأخرى.

ثانيًا: الأبعاد الثلاثة للزيارة.

1. المستوى الثنائي: شراكة صناعية وتكنولوجية.
أكد فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي في مقال بصحيفة "الأهرام" أن "مصر والصين أصبحتا شريكتين تساهمان معاً في تعزيز دور الجنوب العالمي في النظام الدولي".
جوهر الشراكة يقوم على الربط بين" استراتيجية مصر لتوطين الصناعة"و"استراتيجية الصين للتنمية عالية الجودة". وتشمل القطاعات المستهدفة:

- السيارات الكهربائية وبطاريات التخزين والطاقة المتجددة.
- الإلكترونيات ومكونات تحلية المياه وبناء السفن.
- نقل التكنولوجيا في الاتصالات والذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء.

وتظل "منطقة قناة السويس الاقتصادية"العمود الفقري للعلاقات. فالمنطقة الصناعية المشتركة التي افتتحها الزعيمان في 2016 أصبحت أكبر تجمع للوجود الصناعي الصيني في العالم العربي، وتسعى القاهرة الآن للارتقاء بها في سلسلة القيمة.

بلغ حجم التبادل التجاري 20.8 مليار دولار في 2025، وتستهدف مصر رفعه إلى 25 مليار دولار بنهاية العام، مع العمل على تقليل الفجوة لصالح الصادرات المصرية.

2. المستوى الإقليمي: إعادة ترتيب التحالفات.
تأتي الزيارة في سياق سعي مصر لتثبيت دورها كمركز استقرار. والصين ترى في مصر بوابة لأفريقيا والشرق الأوسط، وشريكًا قادرًا على احتواء أزمات الجوار وتأمين طرق التجارة عبر قناة السويس.

3. المستوى الدولي: رسائل توازن القوى.
الزيارة رسالة واضحة بأن مصر تتبع سياسة "تعدد الأقطاب"وعدم الانحياز.

الأهم هو البعد العسكري: تجري حالياً مناورات "نسور الحضارة 2026" بين القوات الجوية المصرية والصينية في قواعد مصرية، وهي المرة الثانية منذ العام الماضي.

كما نشر الجيش المصري صوراً لطائرة تزويد وقود صينية من طراز YU-20 تزود مقاتلة "رافال" مصرية بالوقود جواً، في عرض صريح للتوافق التقني بين التسليح الصيني والغربي في الجيش المصري. هذا يعكس مرونة استراتيجية عالية.

ثالثًا: مصر في قلب "الجنوب العالمي".
الشراكة المصرية الصينية تتجاوز الاقتصاد. هي شراكة سياسية لإعادة صياغة النظام العالمي بشكل أكثر عدالة للدول النامية.

مصر ببنيتها التحتية الجديدة وموقعها الجغرافي أصبحت "وجهة جاذبة"للاستثمار الصيني، وفي المقابل تحصل على نقل تكنولوجيا وتمويل دون شروط سياسية.وضع تحتها خطين.

الخاتمة: شبكة مصالح متعددة.
زيارة شي ليست مجرد زيارة دبلوماسية. هي تأكيد على أن مصر تمتلك "قوة شاملة": موقع جيواستراتيجي، اقتصاد واعد، جيش قادر على إدارة تحالفات متعددة، ودبلوماسية اتزان.

القاهرة لا تختار بين الشرق والغرب. القاهرة تصنع لنفسها مساراً ثالثًا: "مسار القوة الذكي".
*باحث استراتيجي يمني

حول الموقع

سام برس