بقلم/ الدكتور / علي أحمد الديلمي
لم تكن المرأة اليمنية بعيدة عن الحرب التي عاشها اليمن خلال السنوات الماضية فقد كانت من اكثر الفئات تحملا لتبعات الصراع وفي الوقت نفسه كانت حاضرة كناشطة وباحثة وسياسية واعلامية ومدافعة عن حقوق الانسان وبرزت اسماء يمنية عديدة في المحافل الدولية ومراكز الابحاث ووسائل الاعلام ووصلت اصوات باحثات وناشطات يمنيات الى مجلس الامن والكونجرس الامريكي ومؤسسات دولية مؤثرة وكان يفترض ان يمثل هذا الحضور تطورا مهما في مشاركة المرأة اليمنية وان يساهم في تقديم صورة اكثر تنوعا عن اليمن ومعاناته وان يمنح المرأة مساحة للمساهمة في صناعة السلام ومستقبل الدولة بعيدا عن احتكار القوى السياسية والعسكرية للمشهد
لكن الحرب اليمنية استطاعت ان تدخل حتى الى المساحات التي كان يفترض ان تبقى مستقلة عنها فاصبح نشاط الباحثات والناشطات والحقوقيات جزءا من معركة الروايات بين الاطراف ومن خلال متابعة الخطاب السياسي والاعلامي يمكن ملاحظة كيف يتم الاحتفاء بالباحثة او الناشطة عندما يتوافق حديثها مع موقف طرف معين ثم مهاجمتها او التشكيك فيها عندما تقدم موقفا لا ينسجم مع روايته ويمكن ملاحظة ذلك في طريقة التعامل مع شخصيات معروفة مثل رضية المتوكل وندوى الدوسري وغيرهما فكل طرف يحاول الاستفادة من المواقف التي تتفق معه ويقدمها باعتبارها دليلا على صحة روايته بينما يتجاهل المواقف التي لا تخدم خطابه وهكذا قد يتحول صوت الباحثة او الناشطة الى مادة في الصراع السياسي حتى من دون ان تكون هي نفسها جزءا من ذلك التوظيف
لقد نقل اليمنيون حروبهم من ميادين القتال الى كل مساحة تقريبا فاصبحت هناك حرب في الاعلام وحرب في المنظمات وحرب في مراكز الابحاث وحرب في المؤتمرات وحرب في النشاط الحقوقي وحتى التقارير والشهادات والاحاطات الدولية اصبحت تقرأ احيانا من زاوية من المستفيد منها ومن المتضرر منها بدلا من مناقشة مدى دقتها وعدالتها وموضوعيتها واصبح السؤال لدى البعض ليس ماذا قالت الباحثة او الناشطة ولماذا قالت ذلك وما الادلة التي تستند اليها بل لمن يخدم هذا الكلام وهذه من اخطر نتائج الحرب لانها تدمر فكرة الاستقلال وتضع الجميع داخل معسكرات سياسية حتى عندما يرفضون هم ان يكونوا جزءا منها وتحول الاختلاف في الرأي من حالة طبيعية الى اتهام بالانحياز او التخوين
ومع ذلك سيكون من الخطأ والظلم اعتبار كل باحثة او ناشطة يمنية مجرد اداة سياسية فالمرأة اليمنية اثبتت خلال سنوات الحرب قدرتها على العمل في ظروف شديدة الصعوبة وساهمت نساء كثيرات في العمل الانساني والدفاع عن الضحايا والوساطة المحلية وحل النزاعات والمطالبة باطلاق المعتقلين ونقل معاناة المدنيين الى العالم كما ان وجود باحثات وناشطات يمنيات في المؤسسات والمحافل الدولية يمثل فرصة مهمة لليمن اذا حافظن على استقلال مواقفهن وعلى مسافة نقدية واحدة من جميع اطراف الصراع فالاستقلال لا يعني عدم امتلاك موقف سياسي او فكري وانما يعني القدرة على تطبيق المعايير نفسها على الجميع ورفض الانتهاكات مهما كان مرتكبها وعدم تحويل حقوق الانسان والسلام الى ادوات تستخدم بصورة انتقائية وفقا للحسابات السياسية
اليمن اليوم يحتاج الى اصوات نسائية ورجالية تخرج من منطق الحرب لا الى اصوات جديدة تعيد انتاجه بلغة البحث او الحقوق او النشاط السياسي ويحتاج الى باحثات وناشطات وسياسيات قادرات على الحديث مع الجميع وانتقاد الجميع والدفاع عن حقوق الجميع دون ان يتحول نشاطهن الى ملكية سياسية لهذا الطرف او ذاك كما يحتاج اليمنيون انفسهم الى التوقف عن تصنيف كل باحث وناشط ومثقف بحسب المعسكر الذي يمكن ان يستفيد من كلامه لان اخطر ما فعلته الحرب باليمن انها لم تقسم الارض والمؤسسات فقط بل قسمت المجتمع والعقول والاصوات وحتى مفهوم الحقيقة واذا كان اليمنيون يريدون سلاما حقيقيا فان بدايته لن تكون فقط عندما تصمت البنادق بل عندما يصبح من الممكن للمرأة والرجل التعبير عن موقف مستقل دون ان يتم وضعهما مباشرة في خندق من خنادق الصراع وعندما تصبح الكلمة وسيلة للبحث عن الحقيقة والسلام لا سلاحا جديدا في حرب اليمنيين


























