سام برس
عندما تُعمَّد الكلمة بالدم الزكي
شعر: د. حسن حسين الرصابي

سَتَبْقى الحُرُوفُ المَاضِيَاتُ شَوَاهِدَا ... وَتَسْقِي دِمَاءُ الصَّادِقِينَ المَفَارِقَا
فَمَا مَاتَ صَوْتُ الحَقِّ يَوْماً بِمَفْزَعٍ ... وَلا كَانَ سَيْفُ الظُلْمِ يَوْماً صَادِقَا
في العاشر من سبتمبر، تقف اليمن—أرضاً وإنساناً، مؤسساتٍ وجبهات—إجلالاً وتعظيماً أمام محطة فارقة في سجل النضال الوطني؛ يومٌ تعمّدت فيه الكلمة بالدم الزكي، وافتدت فيه الصحافة اليمنية حريتها وسيادتها بأرواح 31 شهيداً من أنبل كوادر صحيفة "26 سبتمبر" وصحيفة "اليمن" بالعاصمة صنعاء، إثر استهداف إجرامي غاشم طال أروقة الصحيفة ومطابعها في العاشر من سبتمبر 2025م.

ولأن الشاهد لا ينفصل عن المشهود، فإن الذكرى تعود بنا إلى أولئك الفرسان الذين لم تكن الصحافة لديهم مجرد مهنة فوق المكاتب، بل كانت عقيدة جهادية ورسالة إيمانية. ونحن في شعبة التوجيه والإرشاد الديني، عندما كنا نتسلم واجب النزول الميداني للتوعية والتثبيت في مختلف المناطق والوحدات العسكرية على امتداد جبهات المواجهة، كان الكثير من هؤلاء الشهداء والجرحى هم الرفاق والأعضاد؛ أبلوا بلاءً حسناً في نقل عقيدة الثبات وتوثيق صمود المرابطين في خطوط التماس، حتى توّجوا ذلك المسار العظيم بالشهادة؛ فمنهم من قضى نحبه في ثغور الجبهات، ومنهم من ارتقى في محاريب الكلمة تحت قصف العدوان الصهيوني.
إن الاستهداف الغاشم لمبنى صحيفة "26 سبتمبر" وصحيفة "اليمن" ومطابعهما لم يكن مجرد اعتداء على بنية خرسانية أو آلات طباعية، بل كان محاولة بائسة لاغتيال الوعي الوطني، وإسكات الصوت الصادق الذي طالما كشف تزييف أعداء الأمة ودافع عن سيادة الوطن وثوابته. غير أن قوى الطغيان غفلت عن حقيقة أزلية: أن الكلمة الحرّة المنطلقة من روح الإيمان لا تُقتَل بالقصف، وأن المبادئ التي تُكتب بالدماء تصبح عصية على الفناء.

وقد تجلّى حجم هذه الفاجعة وبشاعة الجرم فيما وثقته لجنة حماية الصحفيين الدولية (CPJ)، حين صنفت هذا الاعتداء بكونه ثاني أكبر هجوم دموي يستهدف الصحافة في التاريخ الحديث منذ مجزرة "ماغوينداناو" بالفلبين عام 2009م؛ وهو توصيفٌ يعكس للعالم مدى وحشية العدوان وضخامة التضحية التي قدمها الإعلام العسكري والإعلام الوطني في اليمن.
ومع اكتمال العام الأول وحلول هذه الذكرى الخالدة يومنا هذا، نبعث برسائل الوفاء والثبات:

- إلى أرواح رفاق السلاح والكلمة: رحلتم أجساداً وبقيتم في وجدان الأمة رموزاً للشرف والمهنية والواجب الإيماني. إن دماءكم التي امتزجت بحبر الصحافة وأتربة الجبهات ستظل سراجاً وهّاجاً يضيء دروب الأحرار.
- إلى فرسان الإعلام الوطني: إن رحيل القادة والزملاء لا يكسر الأقلام ولا يجفف الأحبار، بل يضاعف المسؤولية الإيمانية والوطنية لاستكمال التوثيق والنضال بكفاءة واقتدار.
- إلى قوى العدوان والصلف الصهيوني، ومن يدور في فلكهم: قد تملكون أدوات الدمار، لكنكم أعجز من أن تنالوا من عقيدة شعب يرى في الكلمة جهاداً وفي الدفاع عن الحق شرفاً وكرامة.
ستبقى الراية مرفوعة، وصوت الحقيقة مدوياً، والرحمة والخلود لشهداء الصحافة والوطن، والشفاء للجرحى، ولا نامت أعين الجبناء.

*نائب رئيس لجنة توحيد الخطاب الديني في الجمهورية اليمنية
توجيه المنطقة الثانية ، واللواء 27ميكا والساحل الغربي.
مديرية حيس المحررة محافظة الحديدة
10 سبتمبر 2026

حول الموقع

سام برس