بقلم/ عادل حويس
تثقل الكلمات وتضيق العبارة حين يكون المداد مرثية لرفيق درب وفارس ترجل عن صهوة الحرف في زمن أحوج ما نكون فيه إلى أصحاب الضمائر الحية فالصحفي الحقيقي لا يرحل حين يواري جسده الثرى بل يظل حاضرا في كل سطر سطره بصدق دفاعا عن وطنه وإنسانه.
هكذا كان وسيبقى الزميل العزيز يحيى محمد الربيعي، الذي ترك برحيله المفاجئ ألما يعتصر القلوب وثلمة في خاصرة الصحافة اليمنية لا تسد هو الذي اتخذ من الكلمة أمانة ومن الشرف ميثاقا لم ينكث به يوما تاركا إرثا إنسانيا ومهنيا يضيء عتمة الفقد والغياب.

حين يباغتك الفقد في ساعات الفجر الأولى لا يأتي مجرد نبأ عابر تطويه السطور بل يسقط على الروح كصاعقة تخرس الكلام وتثقل الصدور بما لا طاقة لها به هكذا كان وقع الرحيل المباغت للفقيد إثر عارض صحي مفاجئ تاركا في مساحات بلاط صاحبة الجلالة وفي قلوب رفاق دربه فراغا موحشا لا يملؤه سوى صدى كلماته وأثره الباقي.
احتضنته صنعاء المدينة التي حمل أوجاعها وتفاصيل كدحها في ثنايا قلمه حيث صلى عليه المشيعون في جامع الدرة بسواد حنش ووارى الثرى جثمانه في مقبرة الصياح لتنطوي بمواراته صفحة ناصعة من الكفاح المهني والإنساني النادر وتبدأ رحلة الخلود لرجل عاش نقيا وغادر صامتا كالكبار.

لم يكن الفقيد الراحل مجرد كاتب يصوغ العبارات المنمقة بل كان صحفيا استثنائيا اتخذ من الحرف رسالة مقدسة ومن الصدق بوصلة لا تحيد شهدت له أروقة "مؤسسة الثورة للصحافة والطباعة والنشر" عقودا من البذل والعطاء المتواصل حيث أدار باقتدار تحرير مجلة "معين" ورسخ اسمه محررا اقتصاديا وازنا في صحيفة "الثورة"، متنقلا ببراعة بين شتى فنون الكتابة من التحقيق المتعمق إلى الاستطلاع الرصين والتحليل النافذ جاعلا من الطرح المتزن والنقد البناء أداة تلامس هموم الوطن والمجتمع دون مواربة أو ادعاء.

ولأن قلمه لم يكن لينفصل عن قضايا الأرض التي تنبت الحياة انخرط الربيعي في مناصرة الثورة الزراعية لا كشعار يرفع بل كفعل تطوعي وإعلامي واع بمبادئ التنمية المستدامة القائمة على المشاركة المجتمعية فكان صوتا أمينا للمزارع الكادح وسفيرا لخير الأرض عاملا بتفان مؤمنا من أعماقه بأن الكلمة متى ما كتبت بصدق وتجرد تحولت إلى بذرة نماء تثمر في وعي الناس وواقعهم.
تجلت عظمة يحيى الربيعي في معدنه الإنساني الرفيع ومنظومته الأخلاقية التي صمدت كالجبال أمام عواصف الزمن وتقلبات المحن عاش متواضعا بسيطا يخوض معركة البقاء اليومي بشرف وصبر لا يلين كشأن فرسان الكلمة في اليمن الذين قارعوا شظف العيش وقسوة سنوات الحرب والحصار بكرامة تأبى الانكسار.

اتسم بهدوء مهيب يسبق حديثه وإخلاص نقي يعمل في الظل بعيدا عن أضواء التباهي وتفان سخي دون انتظار ثمن وحسن معشر جعله قريبا من قلوب زملائه جميعا حتى غدا في سلوكه اليومي النموذج الأنصع للصحفي الذي تتطابق مهنيته مع قيمه ومبادئه.
ولم يكن تكريمه في يناير 2021م من المجلس السياسي الأعلى بدرع العطاء في اليوم العالمي للتطوع سوى التفاتة مستحقة واعتراف رمزي بمسار طويل من البذل الصامت ظل بعدها الربيعي هو ذاته يعمل بتجرد ويؤمن أن القيمة الحقيقية للكاتب تقاس بما يقدمه لأمته لا بما يقال في مدحه.

إن عزاءنا في وداع يحيى الربيعي يكمن في ذلك الأثر العاطر الذي خلفه وتلك البذور الطيبة التي غرسها في حقول الكلمة ووعي المجتمع فمن عاش نبيلا ومات صامتا شريفا لا تطويه الغيبة ولا ينسى ذكره.
نم قرير العين أبا محمد فقد أديت الأمانة بصلابة وصبر وكتبت حكاية وطنك بحبر المعاناة والنبل وشهدت لك أروقة الصحافة وسهول الأرض بوفائك ونقائك سلام على روحك الطاهرة في الخالدين وتغمدك الله بواسع رحمته ومغفرته وأسكنك فسيح جناته وألهم أهلك وذويك وزملاء الحرف جميعا الصبر الجميل والسلوان.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.

حول الموقع

سام برس