بقلم / عادل حويس
في زمن تتسارع فيه التحولات وتتآكل فيه الهويات تحت وطأة العولمة يطل الأول من يوليو يوم الأغنية اليمنية بوصفه أكثر من مناسبة للاحتفاء بالفن أو استعادة ذاكرة الطرب الجميل إنه موعد مع أحد أعمدة الشخصية الحضارية لليمن ووقفة تأمل أمام إرث إنساني صنعته قرون من الإبداع وصاغته عبقرية شعب استطاع أن يحول الألم إلى لحن والطبيعة إلى موسيقى واللغة إلى غناء خالد.

فالأغنية اليمنية ليست مجرد لون موسيقي يزين المناسبات أو يملأ فضاءات السمر وإنما هي وثيقة حضارية ناطقة تختزل تاريخ الإنسان اليمني وتروي سيرته الروحية والثقافية وتحفظ ذاكرته الجمعية بأمانة تفوق أحيانا ما تحفظه كتب التاريخ.
وفي كل مقام يمني وفي كل بيت شعري وفي كل إيقاع يخرج من أعواد الفنانين تسكن حكاية وطن ظل يصنع الجمال حتى في أكثر لحظاته قسوة ويثبت أن الإبداع كان دائما أحد أهم أسرار بقائه.
ليس من المبالغة القول إن اليمن كتب فصلا مضيئا في تاريخ الموسيقى العربية فمن هذه الأرض التي عرفت الحضارة منذ أقدم العصور خرجت أنغام احتفظت بفرادتها عبر القرون ولم تفقد هويتها رغم تعاقب الدول وتبدل الأزمنة فقد ظل اللحن اليمني وفيا لروحه الأولى متجددا في شكله ثابتا في جوهره قادرا على عبور الزمن دون أن يفقد بريقه أو ينقطع عن وجدانه الأول.

وتتجلى عبقرية الأغنية اليمنية في تنوعها المدهش ذلك التنوع الذي لم يكن يوما تباينا عشوائيا بل كان انعكاسا لعبقرية المكان والإنسان معا فمن صنعاء حيث تتعانق المآذن مع البيوت الطينية وتتشابك الأزقة القديمة كأنها أبيات قصيدة خرج الغناء الصنعاني شامخا عميقا مشبعا بالفخامة الموسيقية يحمل من الرصانة ما يشبه ملامح المدينة نفسها وفي لحج حيث تنساب المياه بين البساتين وتتعطر الأجواء برائحة الفل والنخيل ولد اللحن اللحجي رقيقا دافئا مفعما بالحياة بينما قدمت حضرموت للعالم فن الدان ذلك اللون الفريد الذي أسس مدرسة موسيقية متكاملة تمتزج فيها الحكمة بالشجن والإيقاع بالفلسفة والتأمل بجمال الكلمة.
ولم يكن اختلاف البيئات اليمنية سببا في تشتت الهوية الفنية بل كان سر ثرائها فكل منطقة أضافت لونا جديدا إلى لوحة موسيقية واحدة وكل مدينة أسهمت في إثراء المشهد الغنائي حتى أصبحت الأغنية اليمنية واحدة من أكثر التجارب الموسيقية العربية تنوعا وعمقا دون أن تفقد ملامحها الأصيلة أو تتخلى عن شخصيتها المستقلة.

والأهم من ذلك أن هذا التراث لم يبق حبيس الجغرافيا اليمنية بل عبر البحار قبل أن تعرف المنطقة وسائل الاتصال الحديثة حمله البحارة في أسفارهم وردده المهاجرون في المنافي ونقله التجار إلى موانئ الخليج والهند وشرق أفريقيا حتى أصبح اللحن اليمني جزءا من الذاكرة الموسيقية لشعوب كثيرة لم يكن اليمن متلقيا للتأثيرات الموسيقية بقدر ما كان مصدرا لها ورافدا أساسيا في تشكيل الذائقة الفنية في الجزيرة العربية والخليج وهي حقيقة تؤكدها الدراسات الموسيقية وشهادات كبار الفنانين والباحثين.

ومع بدايات النهضة الفنية العربية في القرن العشرين ازداد حضور الأغنية اليمنية اتساعا وتأثيرا فقد استلهم كبار الملحنين العرب من مقاماتها وإيقاعاتها وغنى كبار المطربين من تراثها وألحانها إدراكا منهم لما تختزنه من ثراء لحني وعمق إنساني وجمال فني ولم يكن ذلك مجاملة لليمن بل اعترافا صريحا بأن هذا التراث يمتلك سحرا خاصا يجمع بين البساطة والعبقرية وبين الأصالة والقدرة على التجدد.
وفي أشد المراحل التي عصفت باليمن بقيت الأغنية أكثر عناصر الهوية ثباتا تعثرت مؤسسات وانهارت بنى وغابت مشاريع لكن اللحن اليمني ظل حاضرا يقاوم النسيان ويحفظ للناس شعورهم بالانتماء كان الفن ولا يزال المساحة التي يلتقي فيها اليمنيون بعيدا عن الانقسامات لأن الأغنية تخاطب الإنسان قبل أي انتماء آخر وتعيد إليه ذاكرته الوطنية كلما حاولت الأزمات أن تسرقها.

ومن هنا فإن الاحتفاء بيوم الأغنية اليمنية ينبغي ألا يظل مناسبة رمزية عابرة بل يجب أن يتحول إلى مشروع وطني وثقافي يعنى بحماية هذا الكنز الحضاري من خلال توثيق التراث الغنائي ورعاية الفنانين ودعم معاهد الموسيقى وتشجيع الدراسات الأكاديمية وإعادة الاعتبار للأغنية اليمنية باعتبارها أحد أهم عناصر القوة الناعمة التي يمتلكها اليمن في محيطه العربي والعالمي.

إن الأمم العريقة تعرف بما تنتجه من ثقافة وفنون بقدر ما تعرف بما تشيده من عمران واليمن الذي أهدى العالم حضارات سبأ وقتبان وحمير وقدم للبشرية البن والعطور والبخور قدم أيضا واحدة من أرقى التجارب الموسيقية في الشرق ولعل الأغنية اليمنية هي أكثر السفراء إخلاصا لهذا الوطن فهي لم تحمل السلاح لكنها انتصرت للمحبة ولم تعرف الحدود لكنها بلغت القلوب ولم تتحدث بكل لغات العالم لكنها استطاعت أن تفرض حضورها بلغتها الإنسانية الخالدة.

ويبقى في الأغنية اليمنية سر يصعب تفسيره سر يجعل لحنا ولد قبل مئات السنين في قرية معلقة على سفح جبل يمني قادرا حتى اليوم على أن يهز مشاعر مستمع يجلس في مدينة حديثة على الضفة الأخرى من العالم وذلك ليس سوى أثر الحضارة حين تتحول إلى فن وأثر الفن حين يصبح جزءا من الوجدان الإنساني.

وفي يوم الأغنية اليمنية لا ننحني فقط أمام أسماء صنعت المجد الفني بل ننحني أمام وطن كامل استطاع أن يكتب تاريخه بالنغم كما كتبه بالحرف والحجر.
تحية للشعراء الذين غزلوا من الكلمات حرير الحكمة وللملحنين الذين منحوا القصائد روحها الخالدة وللفنانين الذين حملوا صوت اليمن إلى الآفاق فجعلوا من الأغنية اليمنية رسالة محبة وسلام ومن الفن جسرا يصل الإنسان بأخيه الإنسان.
وسيظل هذا التراث ما بقيت الحياة شاهدا على أن اليمن لم يكن يوما وطنا للحروب كما تحاول الصورة العابرة أن تختزله بل كان وسيبقى وطنا للجمال ومنبعا للإبداع وموطنا لصوت كلما صدح ذكر العالم بأن الحضارات العظيمة لا تموت وأن الفن الأصيل هو الوجه الأبقى للأمم واللغة التي لا تعرف الأفول.

حول الموقع

سام برس