بقلم/ يحيى محمد القحطاني
إلى متى يستمر الصراع والحروب بين بلدين جارين تجمعهما الدين واللغة والجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، بينما يفترض أن يكون هذا الجوار أساسًا للتعاون والشراكة، لا سببًا للحروب والصراعات؟ فمهما تعاقبت الأزمات، سيظل اليمن والسعودية جارين، وسيظل أمن كل منهما مرتبطًا باستقرار الآخر. وقد أثبت الواقع أن إضعاف اليمن لم يكن يومًا ضمانة لأمن السعودية؛ فاليمن الضعيف والمنهك لا يضمن أمنه ولا أمن جيرانه، بينما اليمن القوي بمؤسسات فاعلة واقتصاد منتج ودولة مستقرة هو الأكثر أمنًا للمملكة والمنطقة.

ولا يمكن فهم استمرار هذه العلاقة المتوترة بعيدًا عن إرث طويل من المخاوف والحروب والمناوشات والاستقطابات الإقليمية، وما نتج عنها من تراكمات سياسية ونفسية. وإذا صحت الوصية المنسوبة إلى الملك عبدالعزيز آل سعود إلى أبنائه بأن (خيرهم وعزهم في ضعف اليمن، وشرهم في قوته وتطوره)، فلا ينبغي أن تكون فحواها هي القاعدة الدائمة لعلاقات البلدين الجارين، كما لا ينبغي أن تحكم العلاقة عقلية الجارة الكبرى والجارة الصغرى أو منطق الغالب والمغلوب. فالماضي يجب أن يكون درسًا للمستقبل.

لقد أثبتت التجارب أن الحروب لا تصنع أمنًا دائمًا، وأن إضعاف الجار لا يمكن أن يكون بديلًا عن بناء علاقات مستقرة معه. فاليمن المستقر والقادر على حماية حدوده وسيادته هو أفضل جار للسعودية، كما أن السعودية المستقرة والمزدهرة هي أفضل جار لليمن. ومن هنا فإن استمرار الصراع لا يخدم مصالح الشعبين، بينما يمكن للتعاون أن يحول الجوار الجغرافي من مصدر للمخاوف إلى فرصة للتكامل والتنمية.

ومن هنا، آن الأوان للانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة السلام، وتحويل الحدود إلى جسور للتجارة والاستثمار والتنمية، وجعل أمن البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن مجالًا للتنسيق والتعاون، لا ساحة للصراعات. فأمن السعودية لا يتحقق بضعف اليمن، كما أن قوة اليمن ووحدته واستقراره لا تهدد السعودية؛ ولذلك ينبغي أن يقوم مستقبل البلدين على وطنين آمنين، وحدود مستقرة، واقتصادين قويين.

وتقع مسؤولية هذا التحول على البلدين معًا. فاليمن مطالب ببناء دولة قوية تحمي سيادته وحدوده وتحترم سيادة جيرانه، والسعودية عليها أن تدعم هذا المسار بإعادة إعمار ما دمرته الحرب، ومعالجة الملفات الإقتصادية، ودعم مؤسسات الدولة والبنية التحتية والخدمات، وإنهاء الحصار، وتوسيع التجارة والاستثمار، وتسهيل أوضاع المغتربين اليمنيين. فدعم يمن مستقر ليس عبئًا، بل استثمار في شراكة مستدامة؛ والشريك القوي أكثر قدرة على حماية مصالح جاره.

كما أن أي ترتيبات جديدة لأمن المنطقة، كمعاهدة مكة بين السعودية وتركيا وباكستان، ستظل ناقصة إذا ظل اليمن خارجها أو جرى التعامل معه بوصفه طرفًا أو ذراعًا في صراعات الآخرين. فموقعه على باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن يجعله جزءًا أصيلًا من أمن المنطقة، ومن حقه أن يكون حاضرًا في صناعة المعادلات التي تمس أمنه ومصالحه، لا أن تُرسم ترتيبات أمن المنطقة في غيابه أو تُفرض عليه من الآخرين. واليمن لا يريد أن يكون طرفًا في صراعات المحاور، بل شريكًا في صناعة السلام والأمن.

لقد دفع اليمنيون والسعوديون أثمانًا باهظة للحروب والانقسامات والتدخلات، ولم يحقق أيٌّ منهما نصرًا حقيقيًا؛ فالخاسر هو الشعبان، والمستفيد كل من يجد في استمرار الصراع وسيلة لتعزيز نفوذه. ولذلك لم يعد السؤال : من ينتصر على الآخر؟ بل: لماذا تستمر الحروب إذا كانت لا تحقق الأمن والاستقرار؟ ولماذا لا تتحول هذه العلاقة إلى تعاون وشراكة تحقق مصالح البلدين؟

ولهذا ينبغي أن يُطرح على المسؤولين في البلدين سؤالٌ صريح ومباشر : من المستفيد من استمرار الصراع والخلاف، وبقاء الحدود مصدرًا للتوتر، وإبقاء اليمن ضعيفًا وممزقًا؟ بالتأكيد ليس الشعبان. فلا مصلحة للسعوديين أو اليمنيين في استمرار الخصومات والحروب بالوكالة، ولا في أن يتحول أيٌّ منهما إلى ساحة لصراعات الآخرين، وإنما مصلحتهما في بناء علاقة تقوم على السيادة والاحترام المتبادل وحسن الجوار والمصالح المشتركة.

إن اليمن والسعودية أمام فرصة تاريخية لكتابة صفحة جديدة: لا تبعية فيها ولا وصاية، ولا عداء ولا مخاوف متبادلة؛ بل دولتان جارتان، لكل منهما سيادته وقراره، يجمعهما أمن متبادل واقتصاد متكامل وشراكة حقيقية. فإذا كانت الحروب قد أثبتت عجزها عن تحقيق الأمن، فإن الشراكة هي الخيار الذي يستحق أن يُجرَّب بجدية. ومن هنا يمكن أن ينتقل البلدان من صراع الجوار إلى شراكة المستقبل.

والله من وراء القصد.

حول الموقع

سام برس