بقلم/ وفاء صندى
لم تعد صورة الغابات المشتعلة والمدن المحاصرة بالدخان وعمليات الاجلاء الجماعى، مشاهد استثنائية فى نشرات الأخبار. ففى كل موسم صيفى تقريبا، تتكرر الحرائق فى مناطق مختلفة من العالم، وتتجدد معها النقاشات حول ارتفاع درجة الحرارة والجفاف وتغير المناخ. لكن التركيز على الحرائق وحدها يحجب المشكلة الأعمق، وهى أن مناخ المستقبل يتغير بوتيرة أسرع من المؤسسات التى يفترض أن تستعد له. المشكلة لم تعد فى نقص المعرفة بالمخاطر. فالعالم يتوافر على بيانات مناخية وأقمار صناعية ونماذج للتنبؤ، وأنظمة انذار مبكر، وخبرة متراكمة من مواسم سابقة.
ومع ذلك، لا تزال مناطق كثيرة، شبكات كهرباء، مياه وطرق، مناطق سكنية وأنظمة تأمين مصممة بدرجات متفاوتة، وفق افتراضات مناخية تشكلت فى الماضي. وعلى الرغم من أن ليس كل حريق سببه التغير المناخى - خاصة أن الحرائق يمكن ان تنتج عن تفاعل عوامل متعددة، تشمل إدارة الغابات، النشاط البشرى، الرياح، التوسع العمرانى الى جانب الحرارة والجفاف- لكن تغير المناخ يغير البيئة التى تحدث داخلها هذه العوامل. ارتفاع الحرارة وامتداد فترات الجفاف وانخفاض الرطوبة يمكن أن يجعل اشتعال الحريق وانتشاره أكثر احتمالا وخطورة. وهنا يصبح السؤال أقل ارتباطا بسبب الحريق الواحد، وأكثر ارتباطا بقدرة المجتمعات على التكيف مع نمط متغير من المخاطر.
المفارقة أن البنية التحتية لا تتغير بالسرعة نفسها. المدن تحتاج سنوات لإعادة تصميم شبكاتها، وشبكات الكهرباء تحتاج استثمارات ضخمة لزيادة قدرتها على الصمود. وإدارة الغابات تتطلب سياسات طويلة المدى. وأنظمة المياه والزراعة والتأمين تحتاج الى إعادة تقييم المخاطر التى بنيت عليها. وهنا تنشأ فجوة تكيف بين سرعة تغير المناخ وبطء استجابة المؤسسات. ولهذه الفجوة، بالتأكيد، ثمن اقتصادى متزايد. وهنا يظهر تحد آخر، ربما يكون اكثر أهمية من التحدى المناخى، وهو كم يكلف عدم الاستعداد؟
لا شك فى ان الحريق لا ينتهى عندما تنطفئ نيرانه. فبعده تبدأ فاتورة المنازل المتضررة، شبكات الكهرباء، الطرق، خسائر الغابات والزراعة والسياحة، تكاليف الاجلاء والطوارئ وغيرها. ومع تكرار الكوارث، تنتقل الكلفة تدريجيا من حدث استثنائى تتحمله موازنات الطوارئ، الى عبء هيكلى يضغط على المالية العامة والاقتصاد. ويظهر ذلك بوضوح فى التأمين. فكلما ارتفعت احتمالات الحرائق والفيضانات والعواصف، أعادت شركات التأمين حساب المخاطر، فترتفع الأقساط أو تتراجع التغطية فى المناطق الأكثر تعرضا. عندها لا تعود الأزمة بيئية فقط، إذ قد تتأثر قيمة العقارات والقدرة على الاستثمار والسكن. هنا تجد الحكومات نفسها امام سؤال صعب حول الجهة التى ستتحمل مخاطر لم تعد السوق قادرة على تغطيتها بتكلفة مقبولة.
وهكذا تصبح كلفة عدم الاستعداد اكبر بكثير من كلفة الوقاية التى جرى تأجيلها. فالاستثمار المبكر فى شبكات كهرباء أكثر قدرة على الصمود، وإدارة افضل للغابات، وتخطيط عمرانى يراعى المخاطر، وأنظمة مياه وانذار مبكر اكثر كفاءة، قد يبدو مكلفا اليوم، لكنه اقل تكلفة من إعادة بناء المدن والبنى التحتية مرارا بعد الكوارث.
التحدى فى الوقاية انها تواجه مشكلة سياسية معروفة، فهى تكلفتها مرئية وفورية، بينما نجاحها غير مرئي. بمعنى يستطيع المسئول أن يظهر أمام مدينة منكوبة معلنا حزمة لإعادة الإعمار، لكن يصعب تحويل حريق لم يقع، بفضل استثمار بدأ قبل عشر سنوات، الى انجاز سياسى يمكن رؤيته. لذلك، أحيانا تميل بعض الحكومات الى تمويل الاستجابة اكثر من بناء القدرة على الصمود.
وهنا تنتقل القضية من المناخ الى جودة المؤسسات نفسها. الدولة القادرة على التعامل مع المستقبل ليست فقط تلك التى تمتلك فرق انقاذ او إطفاء فاعلة عندما تندلع الحرائق، بل التى تعرف اين ينبغى الا يسمح بالبناء، وكيف تحمى شبكات الطاقة والمياه، وكيف تعيد توزيع الموارد قبل وقوع الكارثة، وكيف تجعل التخطيط والتمويل والتأمين تعمل وفق مخاطر الغد لا متوسطات الأمس. والأمر لا يتعلق بالحرائق وحدها. المنطق نفسه ينطبق على الجفاف والفيضانات وندرة المياه والضغط على الإنتاج الزراعى وموجات الحرارة. لذلك يتحول التكيف المناخى تدريجيا من ملف بيئى الى قضية تمس الامن الغذائى والمائى، والاستقرار المالى والبنية التحتية، وقدرة الدولة على حماية مواطنيها واقتصادها. الخطر الحقيقى ليس أن تصبح الحرائق أو الفيضانات أو الكوارث الناتجة عن تغير المناخ، اكثر حضورا فى حياتنا، بل أن تصبح الخسائر التى تنتج عنها أمرا نتعايش معه، بدل أن نعيد تصميم أنظمتنا للحد منها. فالتكيف لا يعنى تقبل الكارثة، وانما تغيير الطريقة التى نبنى بها المدن، ونخطط بها للاستثمار، ونحسب بها المخاطر.
لقد أصبح لدينا من المعرفة واليقين ما يكفى لنعرف أن المستقبل لن يكون نسخة من الماضي. وما ينقص هو تحويل هذه المعرفة إلى قرارات ومؤسسات تستبق المخاطر. فالمشكلة ليست أن المناخ يتغير دون أن نعرف، بل إننا نعرف أنه يتغير، وما زلنا نبنى جزءا من المستقبل بعقلية الماضى.
نقلاً عن الاهرام


























