بقلم/ سمير عطا الله
لماذا نتذكّر أحمد بهاء الدين بعد ثلث قرن على غيابه؟ لأنّه كان، قبل كل شيء، إنساناً طيباً مصرياً متواضعاً. دعك من أهميّته كاتباً ومفكّراً وشخصية صحافية كبرى، فإن الناس أحبّت فيه أولاً أنّه وديع وطيب وواحد منها، وأحبّت منه أنّه لم يلتفت إلى المنصب ولم يأبه إلى نفوذه ولم يخض معاركه وحروبه.

هذه نماذج تحليل في الحياة، أن يكون حجمك عند الناس محبّتك لا مهابتك. هكذا لا يزال سعد زغلول إلى اليوم ولا يزال يُنادى سعد كما لو أنّه لا يزال حيّاً. عمر الشريف كان واحداً من هذه الطينة. بلغ ذروة الشهرة العالمية وظلّ ابن بلد وعلى رفعة وتواضع مذهل.

هذه موهبة نادرة عندما تكون في هذه الهالة العليا بين الكبار ولا يغريك شيء لحظة واحدة. الغطرسة تقتل صاحبها أولاً.

عاش بهاء حياته القصيرة يحاربها. لم يستهوه القرب من الرؤساء ولا التقرّب من الزعماء العرب، وعندما غاب كان لا يزال في شقة العائلة الصغيرة.

لكن أخلاق بهاء لم تكن كل شيء. كان هناك أولاً «المعلم الكبير»، و«الأستاذ» الكبير، والمثقّف الذهبي، والمجدّد في الصحافة، والمحدّث في الحياة السياسية.

ترَك بهاء مدرسة في الصحافة العربية وتلامذة كثيرين، وأحدث تغييراً في نظرة الصحافة إلى الناس، والعكس أيضاً. وأهم ما فعله أنّه جعَل الصحافة غير السياسية في مرتبة وأهمية الصحافة الوطنية.

لم يكن بهاء صحافياً مصرياً، كان صحافياً عربياً، وكان خصوصاً صحافياً كبيراً في سبيل فلسطين، هذا دوره الأهم. ولمناسبة مئويته العام المقبل، أتمنّى أن تحتفل مؤسسة عبد المحسن القطان بيوم فلسطين في ذكراه. كم يستحق ذلك.
نقلاً عن الشرق الاوسط

حول الموقع

سام برس