بقلم/ العميد الدكتور/ حسن حسين ا
تتجلّى الحقيقةُ الناصعةُ اليومَ متجاوزةً زيفَ الشبهات وضبابَ التضليل الذي نسجته أوهامُ المراهنة على الخارج؛ فالوطنُ كان ولا يزال يتسعُ لكافة أبنائه بمختلف توجهاتهم ورؤاهم، بعيدًا عن ضلالات الارتهان والتبعية التي سعت لتمزيق النسيج الاجتماعي الواحد.
إن العودة إلى أحضان التراب الوطني ليست مجرد خيارٍ متاح، بل هي المسار الطبيعي والوحيد لمن يبحث عن الأمان والكرامة في أرضه، بدلاً من البقاء أدواتٍ تُحرّكها إرادة القوى الخارجية التي تستغل دماء أبناء البلد لتحقيق أجنداتها الخاصة، وتزج بهم في محارق القتال العبثية بأبخس الأثمان.

محرقة القتال ورهان الخسارة المركبة
تتجلى أهداف التصعيد الخارجي في استخدام المغرر بهم وقودًا لمعارك لا تخدم سوى أطرافٍ استغلالية؛ إذ يقاتل أولئك بلا ضمانات ولا حقوق تُذكر. فمن يُقتل أو يُصاب بإعاقة دائمة يُترك لمصيره المجهول بمجرد انتهاء الحاجة إليه؛ إذ قد يُدفع لأسرة المقتول مبلغٌ زهيد لا يتجاوز ألفًا أو ألفي دولار كعطاء مؤقت لخدمة التحشيد، لكن الحقيقة الشاخصة هي أن كل حرب تنتهي في آخر المطاف بالجلوس على طاولة الحوار، وحينها سينفض الممولون أيديهم، ولن يضمنوا لمن قدم حياته إعالة أسرته ولا رعاية أطفاله.

ولعل الشواهد الواقعية تُثبت حقيقة هذه المعاملة الجاحدة في حروب عقد الستينيات من القرن الماضي، وفي هذه الحرب الحالية منذ اندلاعها قبل ما يزيد على 12 عامًا:
- تجميد المستحقات: عند هدوء الجبهات، يتوقف صرف المرتبات حتى عن الأحياء المستمرّين في الخدمة.
- إذلال المطالبة: تتحول حقوق المقاتلين إلى "مكارم" موسمية مشروطة بالمتابعة والإذلال.
- ضياع الأسرى والقتلى: تضيع أسر الأسرى والقتلى في زحام النسيان دون كافل أو ضامن حقيقي بعد غياب معيلها.
افتراءات التضليل وحقيقة التعايش اليمني
تتحطم كل الادعاءات والشعارات الواهية أمام الواقع المشهود في العاصمة صنعاء؛ فالقيم الدينية الراسخة تتجسد اليوم في الرعاية والاحتواء والتعايش المسؤول، بعيدًا عن الغلو والجمود. والسيادة التي ادّعى المتسلقون حمايتها، باتت أكثر تجسدًا وثباتًا في الموقف الوطني الصامد، بينما تتهاوى شعارات الذين اتخذوا من عواصم النفوذ الأجنبي ملاذًا لقراراتهم.

إن خطابات الشيطنة التي تروجها مطابخ المخابرات المعادية مزاعمَ أن إخوانكم في صنعاء "مجوس" أو "إيرانيون" أو يسبون أمهات المؤمنين والصحابة، ليست إلا افتراءات كاذبة صُنعت خصيصًا لتأجيج الشحناء وإشعال اقتتال اليمنيين فيما بينهم. إن الشعب اليمني مسلم مؤمن، عاش عبر تاريخه الطويل نموذجًا فريدًا في التعايش والتسامح والتكامل بين مختلف مذاهبه ومشاربه.
السيادة ومفاهيم الأمن القومي
أما المفهوم الحقيقي للأمن القومي العربي، فقد تجلّى بوضوح في رفض الخضوع والعمالة والتطبيع مع الكيان الصهيوني وداعميه الدوليين، في مقابل من انخرطوا جهارًا في مسارات التفريط والارتهان. لقد انكشفت حقيقة الوعود البراقة التي قدمتها دول التحالف، وتبين أنها لم تكن سوى وسيلة لخدمة مصالحها الجيوسياسية، دون أن تمنح المراهنين عليها حتى موطئ قدم أو استقرارًا حقيقيًا.
دعوة للعودة وتغليب صوت العقل
إن المبادرات الأخوية الصادرة من القيادة بصنعاء بفتح أبواب العودة والتسامح، وفي مقدمتها قرار العفو العام الصادر عن رئيس المجلس السياسي الأعلى، تمثل فرصة تاريخية واستثنائية؛ إذ تجعل من الصفح والاحتواء مدخلاً لبناء مستقبل مشترك وإذابة جليد القطيعة بين أبناء الأمة الواحدة.
إننا نعيش في وطننا العزيز بكرامة وعزة، ورغم انقطاع المرتبات والحصار والظروف الاقتصادية الصعبة، نكتفي بالقليل ويبقى الرزق على الله سبحانه وتعالى، بعيدًا عن الارتهان للغير مقابل فتات زائل.
إن تغليب صوت العقل، وتلبية هذا النداء الأخوي بالاستفادة من العفو العام، يُجنّب المرتهنين الخسارةَ المركّبة في الدنيا والآخرة، قبل أن تتغير المعطيات وتُغلق أبواب العودة ولاتَ حينَ ندم.

حول الموقع

سام برس