بقلم/ الدكتور / علي أحمد الديلمي
قأات ما كتب وقرأت كذلك النصيحة التي خصصت لي بالاسم باعتباري السفير المقيم في الخارج علي الديلمي لانني ادعو الى التعقل والحكمة وارفض ان يصبح قتل اليمني لليمني امرا طبيعيا او مبررا تحت اي راية سياسية او مذهبية واقول لمن وجه الي هذه النصيحة ان الاقامة خارج اليمن لا تسقط حق الانسان في وطنه ولا تلغي معرفته بتاريخه وتعقيداته ولا تجعل الدعوة الى السلام ترفا فكريا بل لعل النظر الى المشهد بعيدا عن ضجيج الجبهات يسمح احيانا برؤية ما تحجبه نشوة الانتصارات والهزائم وهي حقيقة ان جميع الاطراف تستطيع ان تربح معركة لكن احدا لن يستطيع الغاء الاخر او اخراجه من معادلة اليمن

التطورات العسكرية الاخيرة في الساحل الغربي وما اظهرته من قدرة الحوثيين على المبادرة والتقدم ومن ضعف وتشتت في صفوف خصومهم ينبغي ان تقرا بجدية بعيدا عن المكابرة فمن الواضح ان سنوات الحرب منحت الحوثيين خبرة قتالية وتنظيمية متراكمة بينما ما تزال القوى المناوئة لهم تعاني تعدد مراكز القرار وتباين الاهداف والمشاريع والولاءات لكن الاعتراف بهذه الحقيقة شيء وتحويلها الى دليل على امتلاك طرف واحد للحقيقة والوطنية شيء اخر فالتفوق العسكري لا يساوي تفويضا شعبيا والسيطرة على الجغرافيا لا تعني السيطرة على ارادة مجتمع شديد التنوع والتعقيد مثل المجتمع اليمني وقد جرب اليمن مرارا وهم المنتصر الذي يعتقد ان بامكانه تحويل غلبة السلاح الى صيغة دائمة للحكم وكانت النتيجة في كل مرة ولادة صراع جديد.

ومن الضروري ان نتعامل مع مسالة التدخل الخارجي بمعيار وطني واحد لا بمعايير تتغير بحسب هوية الحليف فقد دعمت قوى اقليمية ودولية تشكيلات يمنية مختلفة وسعت كل منها الى حماية مصالحها ونفوذها وفي المقابل لا يمكن تجاهل علاقة الحوثيين بايران وما وفرته لهم هذه العلاقة من دعم سياسي وعسكري وتقني خلال سنوات الصراع ومن هنا فان الوطنية لا تكون باستبدال ارتهان خارجي بارتهان اخر ولا بتبرير تدخل لان صاحبه حليف وادانة تدخل اخر لان صاحبه خصم فالمعيار الذي يحتاجه اليمن اليوم هو ان يكون القرار اليمني يمنيا وان تتقدم مصلحة الدولة والمجتمع على حسابات المحاور الاقليمية والدولية وان يدرك الجميع ان اليمن الذي يصبح ساحة لصراعات الاخرين لن ينتصر فيه احد مهما تغيرت خرائط السيطرة.

والاخطر من التدخل الخارجي نفسه هو تحويل الصراع السياسي الى حرب هويات وعقائد فعندما يصبح الخصم مجوسيا او رافضيا او تكفيريا او مرتزقا قبل ان يكون يمنيا مختلفا معنا سياسيا فاننا لا نمهد لانتصار وطني بل لحرب اهلية طويلة تنتقل من جيل الى اخر واليمن عاش قرونا من التعدد المذهبي والاجتماعي ولم يكن اختلاف الزيدي والشافعي سببا حتميا للحرب وما يهدد مستقبل البلاد اليوم هو الاستثمار السياسي في هذه الاختلافات وتحويلها الى حدود من الدم ولذلك فان رفضي لقتل اليمني لليمني ليس مساواة بين الاخطاء والمسؤوليات ولا تجاهلا لمن بدا الحرب او لمن استعان بالخارج وانما هو رفض لفكرة اخطر وهي ان يتحول قتل الخصم اليمني الى فضيلة وطنية لمجرد اننا نختلف معه.

والسؤال الحقيقي بعد المخا والساحل الغربي وبعد صنعاء وعدن ومارب وصعدة وكل الجبهات ليس من يستطيع التقدم بضعة كيلومترات اخرى بل ماذا سيفعل المنتصر في اليوم التالي لانتصاره وهل يستطيع الحوثيون اذا اصبحوا القوة العسكرية الاكثر تفوقا ان يقدموا مشروع دولة تتسع لمن يختلف معهم وهل تستطيع القوى المناوئة لهم مراجعة اخطائها وبناء مشروع وطني مستقل بدلا من الاتكال على الخارج وهل يستطيع الجميع ادراك ان اليمن لا يمكن ان يستقر اذا حكمه طرف بمنطق الغلبة وانتظر الطرف الاخر فرصته للثار وتلك هي الاسئلة التي تستحق ان ينشغل بها المثقف والسياسي والدبلوماسي في الداخل او الخارج اما انا فساظل اقول ما قلته من قبل لا ابحث عن يمن ينتصر فيه الشمال على الجنوب او صنعاء على عدن او الحوثي على خصومه وانما عن يمن ينتصر فيه اليمنيون على الحرب لان البندقية قد تمنحك مدينة لكنها لا تمنحك وطنا والانتصار الذي يحتاج الى استمرار دم اليمنيين ليس نهاية الحرب بل بداية حرب اخرى.

حول الموقع

سام برس