بقلم/ القاضي د. حسن حسين الرصابي
تتفاوت نظرة الإنسان للأقدار بحسب المساحة التي يتيحها فكره للبصيرة الإيمانية ؛ ففي لحظات الضيق والتعثر، يعتري النفس شعورٌ عارم بالخيبة. يُخيّل للمرء -حين تتأجل أحلامه أو تنغلق في وجهه الأسباب- أن الحرمان خسارةٌ محضة، وأن الفقد عقابٌ يعسر احتماله، وأن تعثر السعي دليلٌ قاطع على عجز الخطوات. غير أن الناظر بعين التوحيد وحسن الظن بالمولى سبحانه وتعالى يبصر ما وراء الاستجابة العاجلة والظواهر العابرة، ليدرك أن أفول بعض الأماني إنما هو شروقٌ لرحماتٍ أعمق وأبقى.

إن حقيقة التدبير الإلهي تبتدئ في كثير من الأحيان من حيث تنتهي حيلة العبد وتتوقف قدرته الفكرية؛ فكم من بابٍ أُغلق في وجهك فلم تبلغه، لم يكن سدُّه إلا سوراً حصيناً حماك الله به من بلاءٍ لا تطيق دفع آثاره! وكم من طريقٍ تعسّرت خطواتك فيه، إنما كان انقطاعه صيانةً لقلبك ودينك من أضرارٍ تتشابك في طياته! فالخسارة في المنظور الإيماني ليست دائماً عقاباً أو دليلاً على عدم الاستحقاق، بل هي في كثير من الأحيان إعادة توجيه لطيفة يقودك بها الحق جل وعلا نحو المسار الأليق ببنائك الروحي والإنساني.

وليس كل سكونٍ في حركة الحياة تعطيلًا لمقاصدك، ولا كل تأخيرٍ إهمالاً لمطالبك؛ بل هو إعدادٌ رباني لطيف يتهيأ فيه القلب لاستقبال النعمة في وقتها الأنسب. يُبعد الله عن العبد من لا يصلح لمعاشرته أو مشاركته رحلة العمر، ليُفرغ ساحة قلبه لوقتٍ أصوب وخيرٍ أنفع، ويُرجئ الحصول على المراد حتى تنضج الأهلية وتستوي الحكمة. إن الطرق المغلقة لا تعني إطلاقاً نهاية الرحلة، بل تعني أن هناك منفذاً آخر كتب الله لك فيه الفلاح والنجاة.

إن الواجب على المؤمن أن يعبر المنعطفات المبهمة بقلبٍ ساكنٍ ومطمئن، واثقاً بأن الخيرية مضمونة فيما اختاره الله لا فيما اشتهاه العبد؛ فالنجاة كثيراً ما تتأتى متسربلةً برداء الابتلاء، واللطف الإلهي يحوط الإنسان حتى في اللحظات التي يظن فيها أنه عثر وسقط. وكما جاء في محكم التنزيل: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

وحين يترسخ هذا الفهم في وجدان السالك، تتحول المحن إلى منح، ويكتشف الإنسان أن كل تأخيرٍ كان في جوهره تدريباً على الصبر وتزكيةً للنفس. إن الطمأنينة الحقيقية لا تأتي من الاستقرار الشكلي للمظاهر، بل من الإيمان الراسخ بأن يَد اللطف الإلهي تعمل في الخفاء لتهيئة الأفضل، وأن ما يبدو في الظاهر انكساراً هو في جوهره حماية وتشييد لركائز القوة والوعي. وما على العبد إلا أن يكل أموره للقدير، مستحشداً الرضا كمنهج حياة، ليرى كيف تتفتح مغاليق الأمور برحمةٍ لم تكن في الحسبان.

فإذا انقطعت بك الأسباب الظاهرة، فافزع إلى مسبب الأسباب، واعلم أن ما صُرِف عنك لم يكن ليكون لك، وما قُدّر لك لن يفوتك ولو اجتمعت قوى الأرض على حجبك عنه. ثق بالمنعطفات التي لم تتضح لك حكمتها بعد، واستقبل أقدار الله برضا التائب وسكينة الموقن.

حول الموقع

سام برس