بقلم/ يحيى محمد القحطاني
أزمة المؤتمر الشعبي العام اليوم لم تعد أزمة اختلافٍ في الرؤى، بل أزمةُ صراعٍ على المؤتمر نفسه؛ من يملك حق تمثيله، ومن يتحدث باسمه، ومن يقرر مستقبله. صراعٌ بين جناح الداخل وجناح الفنادق في الخارج، وصراعٌ آخر داخل أجنحة الفنادق انفسهم، حتى بدا المؤتمر وكأنه ساحةٌ مفتوحة لتنازع النفوذ أكثر من كونه حزبًا تتسع مؤسساته للاختلاف.

هذا المشهد، وهذا الصراع الذي خرج إلى العلن بين أجنحة (مؤتمر الفنادق)، ليس حالة استثنائية في حزب يمني بعينه، بل يعكس أزمة تعاني منها معظم الأحزاب اليمنية، حيث تتكرر صراعات الأجنحة وتنازع المواقع كلما تبدلت موازين القوة فيها. والاستثناء الأبرز هو الأحزاب والجماعات الدينية بمختلف توجهاتها ومسمياتها، التي أثبتت تماسكًا أكبر في إدارة خلافاتها الداخلية.

المؤتمر، أيها المتصارعون، حزبٌ سياسي عريق، وليس مؤسسةً تجارية أو مالية أو زراعية يتقاسمها جناحٌ أو يستأثر بها فرد. إنه كيانٌ سياسي ذو قاعدةٍ جماهيرية واسعة وإرثٍ يتجاوز الأشخاص والمصالح الفردية. ومن يعتقد أنه قادرٌ على احتكاره عبر إقصاء الآخرين، فهو واهم؛ فالحزب مسؤوليةٌ مشتركة بين أعضائه وأنصاره، والحفاظ على وحدته وتعزيز دوره يتطلبان احترام التعددية والالتزام بالعمل المؤسسي.

أيها المتصارعون في المؤتمر، اليمنيون لا يريدون أحزابًا تتحول إلى ساحاتٍ للصراع على النفوذ واحتكار القرار، بل قوى سياسية تتنافس على خدمة الوطن وإنقاذه. ولا إلى زعاماتٍ تتوارث النفوذ، بل إلى مؤسساتٍ تحتكم إلى مبادئ الديمقراطية. وما لم يدرك المتصارعون هذه الحقيقة، فسيواصلون استنزاف المؤتمر من داخله، وسيمنحون خصومه ما عجزوا عن تحقيقه خارجه؛ وعندها قد ينتصر كل طرفٍ على خصمه، لكن المؤتمر سيخسر، وسيدفع الوطن الثمن.

فإذا كان لا بد من الصراع، فليكن على الفساد لا على المؤتمر، وبسلاح القانون لا بأدوات الانقسام، ومن أجل إنقاذ الدولة والوطن لا من أجل اقتسام أموال الحزب أو الاستيلاء على اسمه.

فالمؤتمر الذي ينزف اليوم لن يكون نزيفه بعيدًا عن نزيف اليمن؛ فإضعافه لا يعني خسارة حزبٍ فحسب، بل إضعاف الحياة السياسية برمتها، وفتح الطريق أمام الفوضى والمتربصين لابتلاع ما تبقى من الدولة والمجتمع.

فاعقلوا أيها المتصارعون قبل فوات الأوان؛ فالعاقل من يتعظ بدماء غيره قبل أن يسيل دمه، والسياسي الحقيقي من يحمي مؤسسته في ذروة الخلاف، لا من يهدمها ليبقى واقفًا فوق أنقاضها. ويبقى السؤال الذي لا يجوز لأحدٍ الهروب منه: من سينقذ المؤتمر قبل أن ينتصر المتصارعون عليه؟

وأخيرًا، يا قادة الأحزاب والجماعات: اليمن اليوم لم يعد يحتمل مزيدًا من الصراعات والمكايدات؛ فشعبه أنهكه الجوع والفقر والبطالة وتدهور الخدمات، ولم يعد ينتظر منكم شعاراتٍ جديدة، بل دولةً تحمي حقوقه وتصون كرامته وتفتح له طريق المستقبل. فإما أن ترتقوا إلى مستوى مسؤوليتكم، وتضعوا إنقاذ اليمن فوق مصالحكم وصراعاتكم، وإما أن يطويكم التاريخ كما طوى من سبقكم. اليمن باقٍ، أما الزعامات والأحزاب فليست خالدة؛ ومن يخذل وطنه، لن يبقى له مكان في ذاكرته.

والله من وراء القصد.

حول الموقع

سام برس